الشيخ عبد الله النعمة والدعوة الى الاصلاح الديني

 





تعود جذور هذا الاتجاه امتداداً  للدعوة السلفية التي تبناها الشيخ احمد بن الكولة (ت1759) وجماعته في الموصل والذي انكر تقديس الاولياء وقبورهم وما مرافق بعضها من مظاهر التذلل والضعف.

ولقد كان ابرز من مثل هذا الاتجاه في العقود الاولى من القرن العشرين: الشيخ عبدالله النعمة (1874-1950م) والشيخ عثمان الديوه جي (1868-1941م) والشيخ عبدالله الحسو (1890-1960م) وغيرهم.

لقد نجح الشيخ عبدالله النعمة في ارساء دعائم مدرسة اصلاحية -اسلامية، بعد ان درس على اشهر علماء الموصل، وتسنى له أن يقوم بمهام التدريسات الدينية والمشاريع الاصلاحية. وكان قد سافر الى الحجاز ومصر وبلاد الشام واتصل بالعلماء هناك، وتمكن من الاطلاع على احوال المسلمين. ولما تشكلت المدرسة الاسلامية عام 1919، اختير مديراً لها فنهض بها. وواكب تطورها. كما تراس جمعية البر الاسلامية وجمعية الشبان المسلمين سنة 1928م اللتان لعبتا دوراً فعالاً في التوعية الدينية في الموصل.

لقد كان الرجل سلفياً صريحاً وداعية الى اصلاحات دينية ولكنه لم يتقيد بمذهب ولم ينتسـب الى اية طريقـة صوفية.

وقد سمحت له ثقافته الاسلامية العليا الى اتباع اساليب جديدة في التدريس والخطابة الدينية. اذ بدأ بمعالجة المشاكل الاجتماعية. وايجاد حلول لها بروح تعمل على تنوير القلوب. ويعبر عن ذلك بقوله: "كنت اجتهد في انشاء خطبي ان تكون عميمة المنافع كثيرة الفوائد تحض على مكارم الاخلاق وتبين الحلال والحرام وترشد الى معالم الديـن الصحيح مستنداً في ذلك على الآيات القرآنية والاحاديث الصحيحة والاثـار الحكيمة".

وعالج في خطته الاصلاحية، مواضيع اجتماعية شتى اذا كان له اراء ومعالجات تفضي الى النهج القويم واتباع الطريق المستقيم، داعياً الى تهذيب النفس واصلاحها وتزكيتها وتخليصها من عيوبها. وحذر، ان من يعمل سوءاً يجزى عليه ولايجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، وحذر ايضاً،من ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فاولئك سوف تهتك استارهم جزاءاً من جنس العمل. ونال هذا الشيخ شهرة واسعة في مختلف الاوساط الاجتماعية، وقد دعا وحث على العمل، وحذر من الكسل، واستشهد بالامم الاخرى كيف ارتفعت بنفسها من خلال العمل. الذي يعتبره هو السبب الوحيد لترقية المسلمين وتقدمهم على غيرهم.

ان جرأته في مواجهة الامور وارشاد سامعية ونبذه للبدع والخرافات عرضته للمخاطر، فحينما كان ينهي الاهالي عن القيام بالتمسح بالقبور او الستور المسدلة عليها ويدعو الى رفع القباب عن القبور. انبرى له احدهم وقال له متوعداً "سوف نتواجه عن قريب".

كما اختلف مع المفتي محمد حبيب العبيدي الذي تزعم العلماء المناوئين للشيخ النعمة الذي كان يتهم بالوهابية، وكان اغلب الناس والعامة بشكل خاص وراء الشيخ النعمة وان الخلاف بينه وبين العبيدي بلغ احياناً حد الفتنة، لولا تدخل العقلاء وتقريب وجهات النظر في مؤتمرات تعقد بين الشخصيتين. ومن المعتقد ان لهذا الاختلاف اسباب اجتماعية عميقة في الزعامة الدينية لكل منهما في مدينة الموصل.

ان الاختلاف في وجهات النظر مع البعض لم تثن عزيمة الشيخ النعمة عن مواصلة سعيه الحثيث في الاصلاح والتنبيه الى مواضع الخلل فيما يتعلق بالقضايا الدينية والدنيوية. ففي تصديه لمعالجة الاخطار المؤثرة على الحياة الاجتماعية، وفساد الاخلاق، حذر الشبان والكهول من مغبة ارتياد الملاهي وصرف الاموال فيها كيلا يقعوا في الفقر المدقع والمرض القتال. واشار الى ان مجالس الناس ثلاثة: مجلس اصلاح ومجلس قيل وقال ومجلس جد وهزل وان الاول هو خير المجالس، كونه مجمع للعلماء والعاملين والمرشدين وارباب النظر الصائب في مصالح الامة. كما نبه الى شرور العداوة والبغضاء وعدهما الداء وأحد اسباب تأخر الامة عن الامم الراقية. ان جل علماء الموصل من تلاميذه قد سمعوا نداءاته الاصلاحية وخطبه الدينية وكانت داره دار علم وتعليم، يجلس للناس مساء كل خميس في غرفته التي تتصدرها مكتبة كبيرة مليئة بنفائس الكتب. وأمن الشيخ النعمة بدعوته ومن بعده تلاميذه الذين برز منهم: احمد سعد الدين زيادة  وسعيد الحاج ثابت وابراهيم عطار باشي وسعيد الجوادي وضياء يونس ومحمد رؤوف الغلامي وغيرهم. وتمكن الشيخ النعمة من ان يؤثر في منهج تلامذته في الحياة تأثيراً بالغاً فكانوا يستجيبون لتوجيهاته ويسعون للعمل بها.

وعلى الرغم من انشغال الشيخ النعمة بالاعمال الاصلاحية وقيامه بالدعوة الى الله،والرجوع بالاسلام الى نقائه الاول، والتي شغلته عن التأليف، الا أنه ترك بعض التصانيف منها: "ديوان الخطب المنبرية" كما نظم "قواعد الاعراب لابن هشام" في (304) بيتاً شعرياً ونظم "المقصود في علم الصرف" في (222) بيتاً. وله "الرسالة العضدية في الوضع" ونظم "جموع التكسير" في (205) ابيات وله "مجموعة فوائد علمية وادبية "و" اجوبة علمية ودينية لمسائل عديدة.

لقد توفي الشيخ النعمة في الموصل بتاريخ 17/8/1950 بعد حياة حافلة بالاصلاحية الدينية الجادة، فكان ركناً من اركانها في الموصل، وكانت مسيرته نشيطة ومؤثرة في قلوب الموصليين وضمائرهم ولم تزل ذكراه مزروعة في النهج الديني بالموصل حتى يومنا هذا.


تعليقات