يعد الاستاذ الدكتور عمر الطالب احدى ابرز
الشخصيات الاكاديمية والادبية في مدينة الموصل وهو غني عن التعريف فله الايادي
البيضاء على الحركة الادبية في عموم العراق ، حيث ارخ للقصة العراقية والمسرح ،وله
دراسات نقدية مهمة فضلاً عن اسهاماته الجادة والعلمية في انجاز البحوث المتعلقة
بهذا المجال وسنبدأ الحوار مع الاستاذ الفاضل اليوم الموافق25/9/1995 بحديثه عن
الولادة والنشأة الفكرية فأهلاً وسهلاً به
* ولدت في
مدينة عام 1932 ورسمياً مسجل عام 1931 ويعود ذلك الى قصة ، حيث توفي والدي وعمري 5
سنوات واردت ان اذهب للمدرسة عام 1937 فمنعت من الدخول فاضطر احد اخوالي لكي اسجل
في المدرسة ان يضيف سنة لعمري وهذه الاضافة العشوائية ثبتت رسميًا في شهادة
الجنسية العراقية وكانت ولادتي في محلة ( عبدو خوب) وبقيت فيها الى ان بلغ عمري 10
سنوات ، وبعد ذلك انتقلت مع والدتي الى بيت اهلها في ( محلة المكاوي) ، والاجواء
التي عشتها في طفولتي كانت جميلة جداً ، عندما كنت في محلة (عبدو خوب) كان هناك
الزقاق المليء بالجاموس والفتيات اللاتي
يجمعن فضلات الجاموس من الشارع والروائح النتنة التي تنبعث من الدور الفقيرة ، لان
روث الجاموس كان يستخدم للوقود آنذاك ، كما عشت ظروفاً جميلة ايضاً في منطقة
(الطوالب) حيث ان اجدادي يتاجرون في الخيول ، هذا الجو الشعبي أثر عليٌ تأثيراً
كبيراً على نتاجي القصصي ومازال تأثيره قائماً الى حد الان وعندما انتقلت الى
المكاوي انتقلت الى جو مغاير جداً وهو اقرب الى الجو ( البرجوازي المتزمت) الذي
يحاول الحفاظ على تقاليد معينة ولم يكن يسمح لي بالخروج الى الزقاق لألعب مع
الاطفال ، وكنت اهرب من الدار الى محلة عبدو خوب وهي قريبة من محلة المكاوي لكي
العب مع اولاد عمي في الزقاق ، ومن تلك الالعاب مثلاً ( الدكش) وهي مقاتلة ابناء
محلة عبدو خوب مع ابناء محلة الخاتونية فيستعد الصبيان مع المقلاع ، وكنا نحن
الصغار نجمع لهم الحجارة ، وتبدأ المعركة وفي الحقيقة هناك العاب شعبية كثيرة تستحق
الوقوف عندها وقد درستها في ( كتابي المخطوط) غير المطبوع عن الموصل ] لقد طبع هذا
الكتاب بنسخ محدده بعد وفاته وهو يتحدث عن سيرته وحياته المهنية وتقويماته للحياة
الجامعية وبخاصة في قسم اللغة العربية في كلية التربية وله اراء صريحة جداً حيال
العديد من التدريسيين وطلبة الدراسات العليا ومستوياتهم العلمية [.
- لنتوقف قليلا عند لعبة الدكش فهذه كانت معروفة
مثلا ًبين محلتي باب لكش والجوبة فما هي الاسباب التي كانت تؤدي الى ذلك الدكش او
القتال ؟
* ليس هناك
سبب فهي مجرد لعبة كبقية الالعاب نبدأ كمتخاصمين وفي النهاية عندما يهزم احد
الطرفين يأتي الطرف الفائز ويقبل الطرف المهزوم وتعود العلاقة طبيعية جداً .
- في مرحلة الدراسة الابتدائية المتوسطة
والثانوية كيف كانت انطباعاتكم عن طبيعة الدراسة والمعلمين والانشطة اللاصفية؟
* في العادة
كان الصبي يدخل (الكٌتاب)او الملا قبل دخوله المدرسة ولكن بسبب صغر سني دخلت
المدرسة قبل الكتاب عام 1937واذكر من اصدقائي آنذاك( المرحوم سالم حسين) الذي
استشهد واعدم في ساحة ام الطبول ، ودخلت في المدرسة القحطانية وهي في (عبدوخوب) مع
اولاد عمي وكان آل طالب يشغلون المدرسة من الاول الى الصف السادس ابتدائي وكان
الطلاب في السادس الابتدائي كبار السن لديهم لحى وكان منهم المتزوج ايضاً ، ومن
المعلمين الذين بقيت اذكرهم ( غانم صعب) في الصف الثالث وكان يطلب منا ان نعرف
جميع عواصم العالم ، وكنا نرسم خريطة العالم على السبورة او نقوم برحلات نرسمها
على السبورة من الموصل الى البصرة او من البصرة الى طهران او الى دمشق وهكذا ،
وكنا نقوم بها ببساطة وسهولة ، وكان لدينا معلومات كثيرة جداً بسبب قيام اخوالي
بجلب اعداد من المجلات المصرية الى الدار وكنت في الصف الثالث ابتدائي اقرأ صحف
ومجلات منها (اخبار اليوم واخر ساعة والكاتب المصري والثقافة) وغيرها ،وكنت اقرأها
بطلاقة وكونت لدي معلومات غزيرة وهي ربطتني بعد ذلك ربطاً وثيقاً بالقراءة ، اما
في الصف الرابع فأذكر( بشير مصطفى) وهو احد الشعراء الكبار في مدينة الموصل وقد
كتبت دراسة مستفيضة عنه ستنشر قريباً ، وفي الصف الخامس بدأ اهتمامي بالرياضيات
ويعود ذلك الى تشجيع المعلم ( متي القصير) وبدأ اهتمامي باللغة العربية مع تشجيع
الاستاذ ( محمود الملاح) وكان استاذاً متميزاً باللغة العربية وهو غير الاديب
المعروف . وعندما كنت في الصف الثاني توفي الملك غازي وكان لذلك صدى كبير في
الموصل وقتل القنصل الانكليزي ، كما عاصرت نظام الكشافة وكنا نلبس ملابس الخاكي
وكنا نزين الشعر( نمرة صفر و نمرة اثنين).
- هل تذكر عدداً من زملائك في المدرسة ؟
*
من زملائي في
المدرسة القحطانية ( لؤي عبدالله النوري) اصبح طبيباً للاطفال ولا اذكر احداً غيره
-
دكتور ذكرتم بانكم تتلمذتم على يد الاستاذ محمود الملاح هل ترك اثراً في نفسك؟
*في الحقيقة هناك عدة اشخاص يحملون اسم محمود الملاح ،
فالذي ذكرته هو من اقرباء محمود الملاح الاديب المعروف .
-
ماذا عن التحصيل الثانوي في هذه المرحلة وعملية النضج في اكتمال الشخصية وهل هنالك
مَن اثر فيكم علمياً ؟
*
في الحقيقة ان
المدرسة المتوسطة كانت بداية نضجي وقراءاتي ويعود الفضل الاول الى الاستاذ محمود
الجومرد وكان يدرسَنا اللغة العربية وكنت بارزاً فيها وكان هناك عدد كبير من
الاساتذة المتميزين ، أمثال: استاذ التاريخ ( عبدالرحمن صالح) واستاذ الجغرافية(
احمد الصوفي) واستاذ الرياضيات ( قاسم محمد علي) هؤلاء تركوا اثراً كبيراً في نفسي
وكنت في الدراسة من المتفوقين ، وقد يعود هذا الى التوجه الذي ساد الاسرة وكنت
معفواً من الدروس ، والغريب اني برزت في مادتين هما ( الرياضيات واللغة العربية)
وكان هذا البروز سبباً في تحديد مستقبلي لأني حصلت على درجة 100 في الرياضيات في
الصف الثالث 99 في اللغة العربية وعندما انتقلت الى الاعدادية كان المدير ( عزيز
جاسم) هو الذي يتحكم بالقبول فإضطرني الى الدخول في الفرع الادبي وكنت ارغب في
الفرع العلمي، وكان يقول هناك خمسة من الطلاب حصلوا على 100 في الرياضيات وواحد
حصل على 99 باللغة العربية وهكذا دفعني دفعاً الى الدراسة الادبية واذكر من الذين
حصلوا على 100 ( زكي الملاح) الطبيب فيما بعد وعبدالاله عبد الموجود الطبيب ايضاً
فيما بعد.
-
دكتور هل تحملون ذكريات معينة عن المرحوم عبد الرحمن صالح وهو من التربويين
البارزين في الموصل وكنت قد اجريت معه مقابلات شخصية عدة؟
* عبدالرحمن
صالح كان يمثل لنا كمراهقين النموذج الاعلى للاستاذ والاب والمرشد الموجه وكان
يمتاز بقدرة فائقة على ايصال المادة على الرغم من انه درس لنا التاريخ القديم وهي
مادة صعبة جداً بالنسبة للطالب في الاول الثانوي، وبنفس المستوى في التاريخ
الاسلامي في الصف الثاني والتاريخ الاوربي في الصف الثالث وكان يتمتع بشعبية كبيرة
جداً وكتبت دراسة مستفيضة عنه، كما اذكر الاستاذ(هاشم سليم)الذي درسنا مادة
الجغرافية كذلك .
- بعد الدراسة في الاعدادية الشرقية انتقلت الى
الدراسة الجامعية في بغداد كيف كانت الاجواء العلمية هناك؟
* اما الانتقال الى بغداد فقد اضطرني اهلي
للدخول في كلية الحقوق ولم اكن راغباً بها وكنت راغباً بكلية الطب ، وكان في ذلك
الوقت يمكن للطالب ان يذهب الى سوريا يدرس الطب وإن كان خريج فرع الادبي ، لكن
اهلي لم يوافقوا على سفري وكان الطالب الذي يحوز على درجة اكثر من 75 في الدراسة
الاعدادية يرسل الى الدراسة في الخارج ، وكنت مؤهلاً لهذه البعثة لذا درست اللغة
الفرنسية اثناء الصيف لكي اذهب الى فرنسا واكمل دراستي في القانون هناك ، ولكن في
تلك السنة بالذات منعت البعثات واقتصرت على طلبة الجامعات فقدمت اوراقي الى كلية
الحقوق وبعد ذلك وبمساعدة اولاد عمي( والدكتور عبدالمالك الطالب وهشام الطالب
)استطعت ان اقدم الى دار المعلمين العليا ، وكنت اداوم في دار المعلمين صباحاً
ومساءاً في كلية الحقوق وتبين ان الزميل الذي يجلس بجانبي وهو موصلي في كلية
الحقوق قال لي : لماذا لا تأتي وتسجل في كلية التجارة ؟ طالما انت ترغب في الدراسة
بأكثر من كلية، وفعلا ذهبت وسجلت في كلية التجارة وكانت كلية حديثة لحد الصف
الثالث في وقتها وساعدني هذا الزميل على عدم تسجيل الغيابات حيث كان مسؤول عنها،
والشي الغريب في ذلك انني امتحنت في الكليات الثلاثة في وقت واحد ،كان الامتحان في
كلية التجارة يبدأ في الساعة السابعة فكان علي ان انهي الاجابة بخمسين دقيقة لكي
اعبر السدة وآتي الى دار المعلمين وامتحن فيها ثم اذهب مساءاً للامتحان في كلية
الحقوق ،وكانت هناك مادة تحتاج الى وقت وهي مادة المحاسبة وكان الاستاذ النافوسي
هو الذي يدرس المادة ومن عاداته ان يأتي بسؤالين فقط سؤال طويل يأخذ ثلثي الدرجة
والسؤال الاخر يأخذ ثلث الدرجة فكان علي ان اجيب بخمسين دقيقة فأبدأ بالسؤال
الطويل واستطعت ان احصل على 60 وكنت الناجح بدرجة جيد جداً وانهيت الدراسة في
الكليات الثلاثة في ان واحد عام 1953 .
-
اذا كانت دراسة القانون تلبية لرغبة الاهل ماذا عن دراسة التجارة ؟
* دراسة
التجارة كانت محاولة ولم انتظم في الدوام وكنت احضر محاضرات متفرقة .
-
هل بدأ الاهتمام بالأدب والعمل الابداعي في تلك الفترة؟
* في
الحقيقة ان الاهتمام في الادب لم يكن في هذه المرحلة انما في المرحلة السابقة منذ
الصف الاول الثانوي مع الاستاذ ( محمود الجومرد) الذي دفعني الى قراءة توفيق
الحكيم وطه حسين والعقاد وغيرهم، ونشرت لي اول قصة في( مجلة المصري) عام 1949 وانا
طالب في الصف الخامس الثانوي بدفع من استاذ اللغة العربية( ذنون الشهاب) كما نشرت
عدة مقالات في ( مجلة الالهام) التي كانت تصدر في
الاعدادية الشرقية وكان يشرف عليها الاستاذ ذنون الشهاب وكنت عضواً في لجنة
الخطابة منذ الصف الاول في المتوسطة واصبحت رئيسا لها في الصف الثالث وكان (برهان
ملحم) هو رئيسها قبل ذلك ،كما الفت مسرحية ومثلت فيها وانا في الصف الثاني متوسط
ومثل معي المرحوم (سالم الحسين وسعد علي
الجميل) وحزت على جائزة من متصرف لواء الموصل ( سعيد القزاز) .
-
دكتور ماذا تقولون بحق الاديب الراحل ذنون الشهاب؟
* هو استاذ
متميز وله الفضل في الحركة الادبية في الموصل وهو كمدرس يعتبر من ناحية التعامل مع
الطلاب نموذجياً وكان سكرتير تحرير مجلة (الجزيرة) وكان عضواً فعالاً في (الندوة
العمرية) ونحن جميعا ندين له بالفضل الكبير .
-
دكتور كيف كان تفاعل الطلبة خلال المراحل الدراسية مع الاحداث السياسية السائدة
آنذاك؟
* في
الحقيقة ان الحرب العالمية الثانية نشبت وانا طالب في الصف الثالث ابتدائي وحركة
رشيد عالي الكيلاني عام 1941 وانا طالب في الخامس ابتدائي وما زلت اذكر الطائرات
الانكليزية وهي تقصف الموصل ولاسيما قصفها في منطقة رأس الجادة وذهب فيها عدد كبير
من الشهداء .
و مازلت
اذكر الجنود الهنود من( السيخ ومن البولونيين) كانوا يجوبون شوارع الموصل . وان
نظام الكشافة خلق في نفوس جيلنا روح قومية قوية جداً وكنا نخرج الى ساحة المدرسة
بعد الدوام ونتدرب على السلاح وبتدريبات عسكرية ، بعد ذلك بدأت حركات سياسية وانا
في الاعدادية اواخر عام 1947 بسبب رفض (معاهدة بورتسموث) التي كانت اشد لعنة من
معاهدة عام 1935 وطافت الشوارع مظاهرات صاخبة في بداية عام 1948 كما حدث تقسيم
فلسطين وقد حدث الاضراب المشهور الذي دام ثلاثة ايام في الاعدادية الشرقية، وكنت مشاركاً فيه واضربنا
عن الطعام لمدة ثلاثة ايام ، وكانت حركة الاحتجاجات قوية جداً ما دفع الحكومة
العراقية الى الاستجابة وارسال الجيش العراقي الى فلسطين ، ولكن المسألة كانت شبه
تمثيلية ، ولدي مذكرات خالي (داؤود الجلبي) عن تلك الحرب وكان ضابط في الجيش ويحكي
فيها ان العملية ليست جادة تماما ويقول خالي ( كان للجيش العراقي ان يدخل تل ابيب
ويطرد الصهاينة منها بكل بساطة ولكن كنا نمنع من ذلك!) وقدم خالي للمحاكمة اتهموه
فيها بانه قتل الاسرى الاسرائيليين وعلى اثرها ولشدة شعوره القومي اصيب بمرض السل
وكان السبب في وفاته . في الكلية كانت الانتفاضات اقوى ودار المعلمين العالية كانت
بؤرة اساسية للحركات الوطنية وفي تلك السنة سنة دخولي للدار عام 1949 فتحت كلية
الآداب وكانت تقبل المعدلات الواطئة ، بينما دار المعلمين العالية تقبل المعدلات
العالية جداً، وكنت انا الثاني في الامتحانات الاعدادية وكان الاول (غانم حمودات)
ويزيدني درجة واحدة فقط في المجموع واذكر ان حدثت انتفاضات عدة عام 1952 والدراسة
عطلت لمدة شهرين ثم عدنا الى بغداد لتكملة الدراسة . ومن الاساتذة الذين اذكرهم في
دار المعلمين ( د. عبد الستار الجواري) الذي درسنا مادة النحو لمدة اربع سنوات (
والاستاذ محمد مهدي البصير ) و( د. مصطفى جواد) ( د. عبد العزيز البصام ) الذي
درسنا مادة علم النفس . وفي كلية الحقوق اذكر(د. حسن علي ال ذنون) وهو موصلي متميز
و( جبرائيل البنا) وهو ايضا موصلي وتميز في قانون العقوبات وهناك عدد من الاساتذة
المصريين مثل ( جابر جاد عبدالرحمن) استاذ الاقتصاد المشهور .
- هل لنا ان نتوقف عند عدد من معاصريكم الادباء ؟
* زاملت عدد
كبير من الادباء منهم من كان معي في نفس الصف مثل الشاعر الكبير( سعدي يوسف
والشاعر محمد جميل شلش والشاعر زكي الجارو) وهؤلاء كانوا معي في قسم اللغة العربية
(وعبد الرزاق عبد الواحد) كان يسبقني بسنة وكان من المعاصرين لي في كلية الاداب
(شفيق الكمالي والشاعر عبد الوهاب الغريري) ومن الاساتذة الذين لديهم حضور الان(
عبد الواحد لؤلؤة وجميل نصيف التكريتي والدكتور نوري القيسي والدكتور داؤود سلوم
والدكتور احمد مطلوب والدكتور جلال الخياط) وتأخر عني لمدة سنتين بسبب ضعفه
بالرياضيات ،ولكنه كان بارزاً جداً باللغة العربية كما ان الجو الادبي كان بارزاً
في المقاهي ولاسيما في مقهى ( حسن عجمي) وكنا انا وسعدي يوسف نلتقي فيها( بمحمد
مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي )، ونشأت معهم علاقة حميمة
جداً وقد يكون هذا المقهى هو الذي صنع من سعدي يوسف شاعرا على مستوى عالمي .
- هذا الحشد من الادباء هل ترك اثراً في
نشاطاتك الادبية .
* لا استطيع ان اقول هذا انما وجودي وسعدي يوسف كشاعر وانا كقاص
فكانت هناك مباراة بيني وبينه ، وكنا ننظر للجواهري كعلم من اعلام الشعر لا يمكن
الوصول اليه وكذلك السياب والبياتي .
- على الرغم من اهتمامكم بالعمل الابداعي والادبي غير
انكم لم تقرضوا الشعر بعمل صريح ؟
* انا نظمت شعراً ونشرت شعراً وكان بدائياً ورومانتيكياً
اراه الان يتميز بفجاجة العواطف كمراهق لا اكثر ومن يقرأ قصصي ورواياتي بإمعان يجد
ان الشعر موجود في الجملة القصصية ويعود هذا انني كنت اهتم بالشعر اهتمام كبيراً .
- ما هو موقفكم
من التراث والحداثة والحديث والقديم ؟
* في الحقيقة انني كنت مع الحديث ولا اقول الحداثة لان
قراءاتي الاولى في ماكان يكتب حديثاً ، بدءاً من (محمود سامي البارودي و مصطفى
لطفي المنفلوطي وجبران خليل جبران) وغيرهم ، ولكن في المدرسة الاعدادية توجهت الى
قراءة التراث بعد اعجابي بالشعر العربي القديم وبالنثر العربي ، ويعود الفضل في
هذه العودة الى استاذي ذنون شهاب فقراءة (البيان والتبين) للجاحظ و ( الامتاع
والمؤانسة ) للتوحيدي ( وديوان الحماسة)لابي تمام وعدد كبير من كتب التراث ،
وازداد اهتمامي بالتراث في دار المعلمين العالية وكنت قارئاً نهماً ، فكنت اقراء
كل الكتب الموجودة في الدار وكانت من اغنى المكتبات في بغداد ، ولهذا لا استطيع ان
اقول ان اهتمامي انحصر في التراث او في الحديث ، انما في كلا المجالين وهذا ما
ساعدني على التدريس فعندما قدمت الى كلية الآداب واسست قسم اللغة العربية لم يكن
معي غير استاذين فقط ،وكان عليَ آنذاك ان ادرَس جميع المواد فخلفيتي التراثية
ساعدتني في تدريس الادب الجاهلي والادب الاسلامي والعباسي والبلاغة وعلوم القرآن
ومواد اخرى مختلفة . اما بالنسبة للحداثة فاستطيع ان اقول اني بدأتها في المغرب
عام 1984 عندما بدأت التدريس هناك وتدريس طلبة الدراسات العليا بالذات وكان عليٌ
ان اطلع على النظريات الحديثة التي لم نكن نعرفها في العراق مثل ،( البنيوية
،السيمائية ،الابستمولوجيا ) فبدأت دراستها من جديد وساعدني في ذلك ان الاستاذ
هناك نصابه ثلاث ساعات في الاسبوع، وهو حر في اختيار الساعة واليوم الذي يدَرس فيه
، فكنت ادَرس فقط يوم الثلاثاء من الساعة الواحدة الى الرابعة وهو وقت مقتول ،
والاوقات الاخرى كنت استغلها في قراءة الكتب التي تمتاز بالحداثة وساعدني على ذلك
عدد كبير من الاصدقاء المغاربة الذين درسوا في فرنسا المناهج الحديثة ، وعندما عدت
الى العراق عام 1989 اضفت هذه الدراسات
الى المناهج الحديثة في الدراسات العليا ، وفعلا خٌرجت عدد كبير من حملة الدكتوراه
من الذين اتجهوا نحو الحداثة .
- نتوقف عند
مرحلة مهمة من حياتكم الاكاديمية ودراستكم
للماجستير والدكتوراه في مصر .
* هذه المسالة هي الاخرى اعتمدت على الصدفة، فلم افكر
اطلاقاً في ان اكمل دراستي في اللغة العربية انما كنت احب الاقتصاد وكنت مدرساً
ناجحاً في المدارس الاعدادية ، وهذا الذي دفعني لإكمال دراستي في الاقتصاد وكان
ابن عمي عبد المالك الطالب يدرس في جامعة سنسناتي في امريكا، فأرسلت اليه طلباً
بان يحصل لي على قبول لإكمال دراستي في الاقتصاد وعندما وجدت بان القبول تأخر
اضطررت الى التقديم الى ( جامعة السوربون )في فرنسا لدراسة القانون وقد حصلت على
اجازة دراسية من وزارة المعارف آنذاك ، وهذه الدراسة كانت متخصصة في دراسة النقد
وهي حديثة ، ولم يكن هناك اساتذة بالدراسات النقدية في الجامعات العراقية وتأخر
وصول القبول في كلا الجامعتين ، الامر الذي دفعني للتقديم الى (جامعة عين شمس) في
مصر وكنت اول المقبولين فيها لدراسة النقد وكانت جامعة عين شمس لا تقبل طلاب
عراقيين كونها تعتمد نظام انكليزي في الدراسة ، وهناك حاولت ان ادرس كورسات في
الشريعة الاسلامية ودبلوم عالي في القانون الدولي ودرست في معهد الدراسات العربية
الاقتصاد السياسي ، ومن الاساتذة الذين اذكرهم استاذي( الدكتور عبد القادر القط)
الذي وضع قدمي في المكان الصحيح بدراسة النقد وتدريس النقد وبعد ذلك اتجه مستقبلي
بهذا الاتجاه بحث بقيت الى حد الان ادرس مادة النقد والفت كتب كثيرة بهذا المجال .
- دكتور كيف وجدتم الواقع الادبي في مصر قياساً في
العراق؟
* في الفترة التي ذهبت فيها الى مصر كانت بين 1963-1967
حيث حصلت على الماجستير عام 1965 وعلى الدكتوراه عام 1967 كانت مصر في اقصى
ازدهارها الادبي وكان آنذاك الرئيس جمال عبد الناصر مهتماً بالحركة الادبية
والفنية اهتماماً كبيراً، وكان د. عبد القادر القط وهو مشرفي في الماجستير
والدكتوراه مسؤولاً عن اصدار عدداً كبيراً
من المجلات المهمة مثل ( مجلة الشرق ومجلة مسرح ومجلة السينما والمسرح) كما كان
مسؤولاً عن التلفزيون المصري والاذاعة المصرية ، وزجني وانا اشكره على ذلك في خضم
هذه الحركة الثقافية وكنت اذهب واياه الى كل محفل ثقافي في المسرح او ندوة في نادي
القصة ، وكنت اساعده في قراءة (البروفات ) في مجلة المسرج او مجلة السينما والمسرح
وهذا ما جعل الماماتي متعددة ومتشعبة في اتجاهات كثيرة .
- بعد عودتكم من
مصر هل لكم ان تحدثونا بعجالة عن مجالات العمل داخل الجامعة وخارجها؟
* كنت عضواً في اتحاد الادباء منذ عام 1959 وانا مدرس في
الاعدادية الشرقية وفي اتحاد الكتاب والمؤلفين الذي اسس كواجهة مضادة لاتحاد
الادباء وكنت عضوا فيه منذ عام 1963 اذ ان نشاطي الادبي كان قبل دخولي الى الجامعة
،وعندما دخلت الجامعة قبلت في كلية التربية في بغداد بعد تحويل اسم دار المعلمين
العالية الى كلية التربية ، بقيت فيها يوماً واحداً وكان ( الدكتور نجيب خروفة)
مساعداً لرئيس جامعة بغداد في الموصل وكان آنذاك( الدكتور عبد العزيز دوري) رئيس
جامعة بغداد وتربطني بنجيب خروفة اواصر حميمة فطلبت اليه ان اٌنقل الى الموصل بسبب
ظروفي العائلية فوافق، وعندما جئت الى الموصل طلب مني ان ابقى في رئاسة الجامعة
وبقيت اسبوعاً واحداً ، وجدت انني لا افعل شيئاً وكنت اقرأ في كل يوم كتاباً فقط ،
فطلبت منه ان انتقل الى معهد المحاسبة ، وهناك درسَت مادة الاقتصاد والتسويق
والقانون ،وعندما حصلت على اجازة دراسية وعدت مرة اخرى الى القاهرة وحصلت على
الدكتوراه كانت كلية الآداب قد فتحت في جامعة الموصل بعد تأسيسها ، فطلب مني فتح
قسم اللغة العربية وكان معي ( الدكتور حازم طه) واستاذ من جامعة البصرة ثم استعنى
بأساتذة مصريين حتى جاء (الدكتور حازم عبدالله وسالم الحمداني( ماجستير) ودكتورة
منال ) كانت ماجستير آنذاك وهكذا بدأ القسم .
- دكتور نعود الى سفرتكم الى المغرب كيف وجدتم الاختلاف
ان صح التعبير ما بين المدرستين المغاربية والعراقية علميا وإبداعياً؟
* الاختلاف جذري ففي الوقت الذي يهتم الاديب العراقي
بالإبداع ولاسيما في الشعر حيث يعد العراق في طليعة الاقطار العربية بالنسبة للشعر
، نجد ان الابداع لا يحظى بذلك الاهتمام في المغرب ، انما التنظير والحركة النقدية
واسعة جداً ، ومن هنا نجد اختلافاً جذرياً بين منهجين نقدياً في الوقت الذي يسود
المنهج التقليدي والانطباعي واحياناً النفسي في النقد العراقي ، نجد الحداثة هي
السائدة في المغرب .
- نعود مرة اخرى الى الموصل ماذا تمثل الموصل وتراثها في
فكركم ونتاجاتكم العلمية والثقافية ؟
* في الحقيقة ان حب الموصل قديم جداً وهو الذي ابقاني في
المدينة دون اخذ فرص حقيقية وضحيت بكثير من الفرص في سبيل حبي لهذه المدينة ، وعلى
الرغم انني جبت اكثر دول العالم لكني مازلت اجد مدينة الموصل هي اجمل مدينة في
العالم حتى مقارنة بفينيسيا او فلورنسا او موسكو او لندن او باريس ، اما اهتمامي
بالتراث الموصلي فهذا يعود الى بيئتي الشعبية التي عشت فيها ولى العدد الكبير من الاصدقاء
والزملاء في الطفولة والصبا والشباب وكلهم من الطبقات الشعبية ، هذا هو الذي دفعني
للاهتمام بالتراث الشعبي الموصلي . بدءاً بالحكاية الشعبية، وصدر لي كتاباً عن
الحكاية الشعبية عام 1981 ثم بدأ اهتمامي بالشعر الشعبي لاسيما ( الزهيري) ونشرت
في السبعينيات نصوص ودراسات عدة حول الزهيري ، لكن الاهتمام الحقيقي بدأ في المغرب
، اثناء التغرب يجد الانسان حنين كبير تجاه مدينته ووجدت هناك ان الجامعة تهتم
بالاقليم بالذات ، يعني الجامعة في الرباط اساتذتها يدرسون ادباء الرباط ، شعراء
الرباط ، التراث الشعبي وهكذا ، فعندما جئت الى الموصل كنت اتحدث مع (الدكتور محيي
الدين توفيق) حول هذا الموضوع فطلب مني ان اكتب دراسات عن شخصيات موصلية وكان هذا
عام 1989 واذكر اول دراسة كتبتها كانت بمناسبة وفاة ( القاص ذنون ايوب)، ومن هنا
بدأت في دراسة الاعلام والى حد الان درست 169 علم من اعلام الموصل ، فضلاً عن
دراساتي عن الغناء والموسيقى والحكاية الشعبية والنقد وجوانب متعددة اخرى .
- هناك مسألة ربما تكون غير معروفة لدى المهتمين بالأدب
وهي اهتمامكم (بالتصوف) وفي مرحلة من مراحل حياتكم دخلتم هذا العالم هل يمكن ان
تحدثونا عن هذه التجربة .
* مسألة التصوف في الحقيقة ربيت عليها فكانت المرحومة
والدتي متصوفة وكان والدي هو الاخر متصوفاً على الرغم من انني لا اعرفه جديداً ،
ولكن بعد ان قرأت كتبه التي قرأها بالذات ( احياء علوم الدين) للغزالي ومذكراته
التي كان يكتبها وهو في الهند نتيجة عمله في تجارة الخيول ، بدأ عندي نوع من
الاهتمام بهذه المسألة ثم بطبعي لا اميل الى البهرجة فأميل الى البساطة وارضى بكل
شيء فانا الى الان لم اقل هذا الشيء يعجبني وهذا لا يعجبني ، فكل ما اجده امامي
اكله وامضي دون ان اتكلم او احس بانزعاج . اما دخولي في حركة التصوف فكانت صدفة ،
اذ اشتكى احد الطلبة وكنت رئيس القسم آنذاك على مدرس التاريخ حول نقاش لمسائلة من
المسائل تدور حول القضايا الروحية وكان هذا عام 1969 وكنت ادرَس في كلية الادارة
والاقتصاد في الدراسة المسائية ،فدعاني الطالب الى ان احضر بعض حلقات الذكر
للمتصوفة فلبيت ومع عدد من الاساتذة في الادارة والاقتصاد وكانت ليلة مدهشة ،
احدهم وضع في جسمه اكثر من سبعين سيف والاخر قلع عينه ثم عادها مرة اخرى هذا الجو
الخيالي شدني اليه بقوة، فبقيت معهم لمدى سنتين وكنت مواظباً جداً فاذهب كل ليلة
اثنين وجمعة في منطقة الزنجيلي لحضور التكية وبلغت مرتبة خليفة وهذه المرتبة عالية
جداً ، وحتى قمت بعد ذلك ارقي الناس المرضى وكانوا يتوافدون على الشيخ وعندما يكون
مشغولاً كنت احل محله في ما نسميه ( العزامة) للمرضى وحاولت ان اعرف السر في هذه
المسائلة كيف يستطيع مثلاً (سيد مهدي )ان يضع في جسده اكثر من سبعين سيف ولكنني لم
اتوصل في الحقيقة الى نتيجة ، وكان ان كتبت قصتي التي اثارته واسمها، ( ضباب
الايام الجليدية) وكانت تدور حول هذا
النوع من التكية ، وكنت البس نفس لبساهم فقط لم اطل لحيتي بسبب وجودي في الجامعة
وكان رئيس الجامعة ( الدكتور محمود الجليلي) لا يسمح ان يدخل الاستاذ او رئيس
القسم وهو ملتحي ولو كان المجال مسموح لاطلتها لاني اردت ان احيا معهم حياتهم
الحقيقة ، وبعد هاتين السنتين كتبت رواية حول هذه الاجواء ومازالت مخطوطة لحد الان
، ولكن هذا التأثير لا يزال موجود ولاسيما في روايتي( انسان الزمن الجديد) .
- ماذا تقول عن الموصل ومنتدياتها ومجالسها التي عاصرتها
في مرحلة شبابكم والندوة العمرية ومجلس داؤود الجلبي والندوة الغلامية وغيرها؟
* في الحقيقة الندوة الغلامية كنت صغيراً جداً والمرحوم
( محمد رؤوف الغلامي) درسَني مادة الدين في متوسطة المثنى في الصف الاول والثاني،
والندوة العمرية كنت طالباً آنذاك في المدرسة الاعدادية وبالتالي لم يكن عمري
يساعد لحضور مثل هذه الندوات ، ولو ان استاذي ذنون الشهاب كان يحثني على الحضور
الا انني لم احضرها اطلاقاً ، انما حضرت ماكان يسمى (قبولاً) عند داؤود الجلبي
وذلك بسبب القرابة التي تربطنا ، وكنت اصغي ولا اتحدث عندما يتحدث الكبار وكان
يحضرها سعيد الديوه جي واحمد الصوفي ومحمد صديق الجليلي وبشير الصقال وغيرهم ، بالنسبة لذكرياتي عن مدينة الموصل فهي
كثيرة واكتبها الان في مذكراتي بعنوان ( ماقاله طرفة لعشيرته) واعتقد ان مٌن سيقرأ
هذه المذكرات سيعرف دقائق وخطط الموصل وابنيتها ومقاهيها المهمة ، وما كان يحدث
فيها لانني عاصرت سيد احمد ( ابن الكفغ) عندما كان يغني في باب السراي وعاصرت
المسرح في الاعدادية الشرقية التي قدمت مسرحية موليير) في الاربعينيات والخمسينيات
، والحركة الادبية عاصرتها منذ بداياتها الاولى الى الوقت الحاضر وكان لدي (
المنتدى الادبي) يقام يوم الجمعة في داري من الساعة التاسعة الى الخامسة مساءاً ،
ويحضره معظم ادباء المدينة كنا نقرأ فيه شعراً وقصص وتبادل الآراء بعد ذلك اوقفته عندما بدأت المؤسسات الرسمية ولاسيما
بعد تأسيس ( الثقافة الجماهيرية) .
- نتوقف دكتور عند نتاجاتكم الادبية والقصصية كيف
تختارون الشخوص والابطال في صناعة الاحداث والقصص؟
* لقد كتبت الكثير والكثير جداً وكنت في الماضي اُدهش
عندما اقرأ ان فلان الف كذا من مصنفات فأقول متى كان يكتب كل هذا ، ولكن وجدت نفسي
انني قد قمت بالعملية ذاتها ، فلدي من الدراسات النقدية 37 كتاب لحد الان ، اما
الكتب الابداعية فبلغت 30 من مجموعات قصصية وروايات وما نشرته في الصحف والمجلات
العراقية والعربية والعالمية يربوا عن ( 900)مقال بين نقد او قصة او خاطرة وغيرها.
- هذا الكم الغزير من النتاجات هل عرضكم الى
النقد؟
* في الحقيقة انا اجمع كل ما يكتب عني في
ملفة خاصة وهي كثيرة جداً ولم اتعرض سوى لنقد واحد عام 1971 ورددت عليه بمقال طويل
جداً نشر في مجلة ( الاديب المعاصر) عام 1972 وكان سبعين صفحة ولكن ادارة المجلة
اعتبرته طويل فنشرت نصفه فقط ، وفي كتاب النقد في العراق سيطبع في بيروت سأنشر
النقد الذي وجه لي والرد الكامل لي عليه ، وكان هناك دائماً اطراء في المجلات
والصحف على نتاجاتي وانا افضل النقد على الاطراء لان النقد يحفزني دائماً على
العمل اكثر وانا من النوع الذي يتحدى دائماً .
- لو سألت عن الهواية ستكون هي القراءة اكيد ولكن المعروف
عنكم ممارسة ظاهرة المشي وان الدكتور
داؤود الجلبي كان يمارس هذه الهواية وكذلك الشيخ محمد علي الياس العدواني ايضا فهل
تحدثنا عن فلسفة ظاهرة المشي لديكم ؟
* ظاهرة المشي كانت في البداية ممارسة وعندما كنا نذهب
الى المدرسة كنا نسير على الاقدام لأننا لا نحتاج الى وسائط نقل ، وكنت مثلاً اسير
من المكاوي الى الاعدادية الشرقية سيراً على الاقدام وهي مسألة عادية جداً او ان
اذهب الى الغزلاني لمشاهدة لعبة كرة القدم او الى منطقة الطيران مشياً على الاقدام
فان جيلنا كان مشاي واصبح المشي جزء من كياننا بعد ذلك تحول الى فلسفة ، وهناك عدد
من (المشايين ) في الموصل لا يرغبون اطلاقاً ركوب اي واسطة نقل ، وانا داخل مدينة
الموصل لا اركب اي واسطة نقل والسيارة تنقلني من الدار الى الجامعة وبالعكس ،
وعندما يكون الطقس حسن افضل ان اسير من الطيران الى المجموعة ذهاباً واياباً .
فلسفة المشي هي تعلمك كيف تتواضع وانك خلقت لتعمل لا لتتفاخر او تتظاهر بالشيء ،
المسائلة الاخرى انها وسيلة للتأمل وانا عندما اريد ان اخصص فصلا ً لروايتي افضل
ان اسير واخطط للفصل ثم اعود لاكتبه في اليوم التالي او بعد عودتي من المسير وكانت
هناك فائدة اخرى ، بأن المشي يعتبر افضل انواع الرياضة كونه يحرك الدورة الدموية
ويجعل الوزن مناسب وهذا ما ساعدني على المحافظة على وزني وهو 75 كيلوغرام وبقي حتى
بعد ان تجاوزت 50 من العمر ، بلا شك عندما اسأل ما الذي ابقاك وانت قد تجاوزت
الستين بهذا النشاط اقول المشي لأنه يولد طاقة واستمرارية في الحركة ويبقيني نشطاً
وبصراحة اقول سعيداً ، وان اسعد لحظات حياتي هي عندما امشي سواءً بمفردي او مع
صديق احبه او مع طالب لديه اسئلة وافضل
الاوقات التي اجيب بها عن الاسئلة هي عندما امشي من الطيران الى فندق اوبروي
ذهاباً واياباً وهي مسافة تزيد عن 7كم .
- لديكم اسهامات
ثرى في الحياة التعليمية ترى ماهي في نظركم مقومات نجاح الحركة التعليمية في
الموصل ؟
* في الحقيقة ان مدينة الموصل مدينة بارزة بالنسبة
للتعليم منذ ( المدرسة الخضرية) بدأت نشاطات اساتذة كبار تتلمذنا عليهم استطيع ان
اذكر على الاقل اربعة ، كان لهم اثر كبير في مسيرتي التعليمية هم ( محمود الجومرد
وعبد الرحمن صالح وقاسم محمد علي وهاشم سليم ) اخذت منهم غزارة المادة ونتيجة
دراستي لعلم النفس فانا لا اتعامل مع الطلبة تعاملاً واحداً ، انما اتعامل مع كل
منهم حسب اخلاقياته وتربيته الخاصة ويحتاج المدرس الى ان تكون علاقته حميمة بينه
وبين الطالب وان يشعر الطالب بأنه ليس عدواً وانما هو صديق او اخ او اب ، وبهذا
تبقى العلاقة متينة انا لم انسى طلبتي منذ عام 1953 عندما تعينت في اول سنة في
متوسطة المثنى ثم الجامعة هناك مسألة مهمة جداً بالنسبة للتعليم هو كيف تلقي
المحاضرة ، فالمحاضرة ليست مجموعة معلومات انما هي طريقة توصيل المادة ويجب تدريس
المادة تدريساً دقيقا ومتواصلاً في ذهنك وثانياً ان تتكلم بطريقة مؤثرة وان تتلاعب
بالصوت وثالث الحركة ان تتحرك لا ان تبقى جامداً لكي تجذب انتباه الطلاب ورابعاً
الاسئلة السريعة مع الاجابة السريعة دون ان تترك الطالب يتمادى في الاجابة ويضيع
الوقت، وبذلك تستطيع ان تسيطر على الصف سيطرة تامة وتخرج من المحاضرة ولاتحس بها
اطلاقاً وفي الوقت ذاته انت قد افدت واستفدت معاً .
- لديكم نشاطات متعددة في مجال الصحافة ومعروف عنكم
مساهمتكم في تأسيس مجلة الجامعة وجريدة
الحدباء هل لكم ان تحدثونا عن ظروف التأسيس والحركة الصحفية آنذاك ؟
* يعود اهتمامي
للصحافة الى المدرسة الابتدائية ، كما قلت بان اخوالي كانوا يأتون بجميع المجلات
وكنت اقرأها وعندما بدأت بالكتابة كانت البداية الاولى مع ( مجلة الالهام) التي
كانت تصدر في المدرسة الاعدادية وكتبت فيها عدة مقالات قبل ان انشر اول قصة في (
مجلة المصري) عام 1949 وبمساعدة استاذي ذنون الشهاب ايضاً ، وعندما انتقلت الى
بغداد استمر نتاجي الادبي ونشرت عدد كبير في الصحف الموجودة في بغداد ، ولاسيما (جريدة
الزمان وجريدة البيت )، وعندما ذهبت الى مصر وبمساعدة استاذي د. عبدالقادر القط
كنت اقراء المقالات واكتب مقالاته التي يمليها عليٌ في ( مقهى الفيشاوي) واذهب بها
الى المطبعة واشرف على طباعتها ، وعندما عدت الى الموصل بدأت ( مجلة الجامعة)
وبدأت مساهماتي فيها وكان المسؤول عنها هشام الطالب ونتيجة القرابة بيننا كانت
مساهماتي كثيرة حتى اختاروني عام 1977 لسكرتارية المجلة وللتاريخ اقول ان المجلة قامت
على اكتاف اربعة فقط هم( الدكتور جليل فالح وانا والسيد محمد زكي والمرحوم عبد
الحميد الحيالي )الذي اشرف على تصميمها ثم ساهم بعد ذلك آخرون ، حتى استطاعت مجلة الجامعة ان تقف في مواجهة(
مجلة افاق عربية) التي صدرت في بغداد وفيها شفيق الكمالي وللزمالة التي ربطتنا معاً
عندما كنا طلاباً وكان مدرساً وكنا نجلس معاً في المقهى ، كان يطالبني بأن لا اخرج
مجلة الجامعة بهذا الشكل لأنها اصبحت منافساً قوياً لأفاق عربية وان اغير شكلها .
وعندما توقفت مجلة الجامعة عام 1982 بسبب ظروف الحرب والاوضاع الاقتصادية ، فإنها
احتلت مكانة مهمة فوجدتها في مكتبات الجامعة في المغرب وتونس والجزائر وفي باريس،
وكانوا يعدونها احدى المصادر الاساسية ولا يعيرها امين المكتبة اعارة خارجية نتيجة
لندرتها .
- وماذا عن
دوركم في جريدة الحدباء؟
* جريدة الحدباء صدرت برغبة من الحكومة وحضر في
وقتها شفيق الكمالي لغرضين الاول افتتاح( اتحاد الادباء في الموصل )والثاني اصدار
جريدة والمسؤولين عنها ثلاثة وهم ( احمد المختار وانا و د. بشرى البستاني) ثم
انيطت رئاسة التحرير للدكتور محيي الدين توفيق ووزعت الصفحات على عدد من ادباء
الموصل وكنت مسؤول عن صفحة(دراسات) منذ تأسيها عام 1978 وحتى سفري الى المغرب عام
1984 وطالبني دكتور محيي الدين بعد عودتي من المغرب ان اعود اليها لكن لم يكون لدي
الوقت الكافي للتفرغ للجريدة .
- عرف عنكم
اهتمامكم بإتحاد الادباء بالموصل هل لكم ان تحدثونا عن ظروف نشأته؟
* بدأ
التفكير باتحاد الادباء في الموصل منذ عام 1968 وعقد اجتماع لاُدباء الموصل في
المكتبة العامة وبعدها لم ينشئ الفرع لاسباب اجهلها ، وفكُر به جدياً في بداية
السبعينيات وفي الثقافة الجماهيرية بالذات
والمؤسسين كنا ستة وهم ( انا واحمد المختار ومحمود جنداري ومعد الجبوري وعبد
الوهاب اسماعيل و ذنون الاطرقجي ) هؤلاء هم المؤسسون لاتحاد ادباء نينوى وبعد ذلك
حدثت انتخابات وتطورات اخرى .
- عرف عنكم
ايضا ارخنة الحركة السينمائية ان صح التعبير عن طريق المقالات الصحفية ، كيف كانت بدايتكم بهذا المجال؟
* الحقيقة البدايات كانت مع الموسيقى عندما كنت صغيراً اصبت بمرض
اقعدني اكثر من سنتين بين الثالثة والخامسة من عمري ، وكانوا يريدون تسليتي عن
طريق الموسيقى وكان خالي داؤود الجلبي يعتقد بأن الموسيقى جزء من العلاج ، ولا
ادري كيف شفيت من المرض قد يكون بسبب الموسيقى ، ومن هنا بدأ تعلقي بالموسيقى ليس
بالموسيقى الحديثة فقط وانما بالقديمة ايضاً ، فدرست المقام لكثرة سماعي له
واستطعت ان افرق بين المقامات بشكل جيد وسمعت في وقتها ،( سيد درويش وسلامة حجازي)
وغيرهم وكان خالي يأخذني الى مقهى باب السراي لأسمع ابن الكفغ وكنت ايضاً اسمع عبد
الوهاب وام كلثوم ، وكنا نستذوق الاغاني المصرية والسورية اكثر من الاغاني
العراقية ، السبب ان اللهجة البغدادية كانت صعبة علينا بينما اللهجة المصرية اسهل،
ولهذا كنا نحفظ الاغنية المصرية بشكل اسرع من العراقية مع العلم كنت اطرب لأصوات
عراقية كثيرة. اما السينما فكان ولعي بها منذ الطفولة ( وسينما الهلال في شارع
نينوى قرب محل نجيب الجادر وكانت عبارة عن ( بنكلة) كبيرة وتعرض افلاماً عربية
واجنبية واذكر اول فيلم شاهدته هو ( الوردة البيضاء ) لعبد الوهاب وكان عمري آنذاك
4سنوات ، وكان هناك تقليد في الموصل ان كل ليلة جمعة الاولاد يذهبون الى السينما
إما بمرافقة زملائهم او ذويهم وكنت اذهب مع اهلي وعندما انتقلت الى المتوسطة
والاعدادية كنت اذهب مع زملائي ، ولم ادع
فيلم لم اشاهده ولهذا تكونت لدي
تراكمات كثيرة للسينما العربية الاجنبية ، وكنت ان اصبح مصدراً للسينما العربية
فكثير ما اُستشار بمكالمات تلفونية من مجلة ( مجلة الفنون ومجلة الاذاعة
والتلفزيون) عن الفيلم الفلاني ومخرجه والممثل وعندما اصدر ( رضا الطيار) كتابه المهم عن ( اثر القصة في السينما) كتبت
من الذاكرة اخطاء اخذت صفحة كاملة في جريدة الجمهورية وبقي الرجل شاكرا لي انني
صححت تلك الاخطاء ، وبقي تعلقي بالسينما وازداد عندما سافرت الى المغرب وجبت دول
كثيرة في العالم وحضرت مهرجانات سينمائية كثيرة بحيث اصبحت الان لا استطيع الا
رؤية الفيلم الممتاز والجيد جداً وكونت مكتبة للفيديو جمعت فيها (1000) شريط من
الافلام الممتازة التي حازت على الجوائز العالمية ، وهذا جعلني ان اؤلف كتاب صدر
في المغرب عن السينما العربية درست فيه السينما في جميع الاقطار العربية وقد
ساعدني في ذلك العديد من الفنانين سواء من الخليج العربي او شمال افريقيا الذين
كاتبتهم لأنني لا اعرف كثيراً عن السينما
الخليجية او المغربية .
- في مصر لابد
انكم اقمتم صلات مع بعض الفنانين وحضوركم لبعض الحفلات الغنائية ماذا تقول عن تلك
الايام؟
* كانت البداية
ولشدة اعجابي باُم كلثوم نتيجة لسماعي الدائم لأغانيها وكان استاذي عبد القادر
القط هو المسؤول عن ( اذاعة صوت العرب) والبرامج الثقافية واُخبرت بانه يستطيع
مساعدتي بشراء موسم كامل لحفلات ام كلثوم، وأذكر انني ذهبت اليه وكان سعر البطاقة
آنذاك خمسة جنيهات فقط فسألني هل انت معجب باُم كلثوم فقلت له نعم . فقال: (جد لك
مشرفا اخر انا لا اريد طالباً متخلفاً يقضي ساعات في سماع ام كلثوم) ، وهذا لم
يغير اعجابي بأداء وصوت ام كلثوم وحصلت بطريقتي الخاصة على البطاقة المفتوحة دون
ان اخبر استاذي لأني كنت حريصاً في الوقت ذاته ان ابقى تلميذاً له ، وكان اول
بداية تعاملها مع عبد الوهاب بأغنية ( انت عمري) وكنت في المقصورة الامامية في
مسرح الازبكية عام 1964 وكان عبد الوهاب في المقصورة التي امامي مباشرة وكان يقف
ويرقص لام كلثوم وكانت ام كلثوم تبتسم وكنت انظر ( لمحمد القصبجي ) وهو العواد
المشهور لام كلثوم وكان متجهم جداً ، واستمرت تغني لساعتين وربع وخرجت من الحفلة
وقررت ان لا اعود مرة اخرى لسماع ام كلثوم لان عبد الوهاب حول ام كلثوم من مغنية
من الطراز الاول الى ( شريفة فاضل) و(فلاح فايت من جنب السور) في اغنية انت عمري ،
والان امتلك كل تسجيلات عبد الوهاب وكذلك ام كلثوم لحد عام 1964 لأنها في رأيي
فقدت الكثير من خصائصها الاساسية قد اكون متجنياً ومحافظاً في ذوقي الموسيقى لا
ادري ، ولكني مازلت معجباً بأداء ( ليلى مراد ) وهي مغنيتي المفضلة واذكر اني عام
1963 عند وصولي الى القاهرة ذهبت الى قصرها في الازبكية وكانت متزوجة آنذاك من
المخرج ( فطين عبدالوهاب) وكان املي ان اراها وان اسمعها تغني ، وفعلاً اخذت العود
وبدأت تغني لي اغنية من اغانيها المحببة الى نفسي وهي ( يا مسافر وناسي هواك) وقد
اصابتني خيبت امل كبيرة عندما سمعتها دون اجهزة صوت حقيقة وعندما رأيت شكلها قد
تحول تحولاً فضيعاً ومزرياً ولم اعد
لرؤيتها ابداً، ولكني ما زلت احتفظ بجميع اغانيها ومازلت معجباً بها وكذلك انا
معجب بصوت( اسمهان).
- هل حضرتم
حفلات فريد الاطرش وعبد الحافظ؟
* حضرت
العديد من حفلات فريد الاطرش رغم انني لم اكن معجباً به وهناك مواقف صعبة ورأيتها
في حفلاته مذكورة في مذكراتي اما عبد الحليم فحضرت جميع حفلاته لمدة اربعة سنوات التي
كان يقيمها شهرياً بالمشاركة مع ( نجاة الصغيرة) ، اما علاقتي الفنية الاساسية فكانت من خلال ( معهد السيناريو) وكنت
فيه طالباً لدراسة السيناريو وكان مديره ( صلاح ابو سيف ) وكان يشترط للدارس فيه
الحصول على شهادة البكلوريوس وان يكون اديباً ،وهذا ما ساعدني على الدخول فيه ومن
زملائي ( بشير الديك) كاتب السيناريو المشهور . وكانت تقام حفلات كل ليلة جمعة وان
يأتي ممثلين وممثلات ومخرجين وتعرفت عليهم عن كثب وبالذات عبد الحليم حافظ وكان
يمتاز بتواضع جم وبأخلاق عالية جداً على الرغم من مرضه وشكله الغير مقبول لكنه استطاع
ان ينجح في السينما نجاحاً كبيراً ، وبعض الممثلات شاهدتهن على غير ما في السينما
مثلاً سعاد حسني هي ليست جميلة اطلاقاً
وهند رستم قصيرة جداً واقمت علاقات جيدة جداً مع الفنانين المصريين .
- هل استمرت علاقتك
معهم بعد عودتك للعراق؟
* بالحقيقة خلال وجودي في مصر لم احاول ان اقيم
علاقة مع الفنانين لان السفارة ابلغتني بان الوزارة قد سمعت بانني قدمت الى معهد
السيناريو وهذا مخالف لشروط الزمالة وكان هذا الامر من موصلي كان يدرس هناك ،
فاضطررت الى ترك المعهد في الوقت الذي كنت من المتفوقين فيه حتى ان صلاح ابو سيف ابدى دهشته من تركي
للمعهد ، وعندما التقيت به في المغرب عام 1987 تذكرني رأساً وقال لي : ( ايهما
افضل انت الان استاذ جامعي ولكنك لا تستطيع ان تحصل على عشر ما يحصله كاتب
السيناريو في مصر ) ولا ادري هل كان يمكن ان اكون كاتب سيناريو ناجح لا ادري انما
انا اسف لتركي معهد السيناريو في مصر .
- وهل دخلت
معهد الدراما والتدريب الصوتي في مصر أيضاً ؟
* نعم درست
الالقاء على الاستاذ ( عبد الورث عسر) وهو من ابرز اساتذة الالقاء ويعد نموذجاً
للالقاء في مصر ، وبعد وفاته لم يستطع احد ان يحل محله ، وعندما نسمع الان (فاتن
حمامة او محمود ياسين او نور الشريف) هؤلاء الثلاثة يعَدون من الملقين المتميزين
في الفن العربي وهم تتلمذوا على عبد الوارث عسر .
- بعد هذه
المحطات المتنوعة هل ترى ان هنالك جانبا تود الحديث عنه؟
* هناك جوانب
متعددة في حياتي فاهتماماتي بانورامية كبيرة والحديث فيها قد يكون مهم وكتبي التي
اكتبها الان قد تفيد الدارسين في المستقبل .
- هل هنالك
نية في نشر هذه المذكرات؟
* بلا شك.

