داؤود الملاح آل زيادة: الفكرة الإتحادية والأناشيد القومية

 




ولد في الموصل سنة 1863م، وتلقى علومه الدينية على الشيخ يوسف الرمضاني والشيخ محمد الرضواني وكان يحضر ندوة العلامة سليمان بك بن مراد بك الجليلي التي تضم كبار علماء الموصل وقد سار الرجل على نهج السلف في الامور الفقهية، وهو من الادباء القلائل الذين وجهوا عنايتهم نحو الامور السياسية، لذلك نراه في مواقف عديدة خطيباً يدعوا الى النهوض والتقدم والرقي. كان اديباً ومارس تقريض الشعر ويصف "علم الادب" قائلاً: "ان اجل العلوم قدراً واسماها ذكراً واوعزها شاناً واعلاها مكانة هو علم الادب، الذي طالما عشقته لاطباع وتاقت لرؤيته روايته الاسماع وهامت به العقول.. واغتذت بلبان بلاغته الفضلاء من اولى البصائر.."

ويبدو ان اهتمامه بالامور السياسية قد ظهر بعد مايسمى الثورة الدستورية سنة 1908م ووصول الاتحاديين للسلطة، فقد ايد داود الملاح، جمعية الاتحاد والترقي، وانضم اليها شأنه شأن بعض الوطنيين الغيارى الذين يصبون الى تحقيق طموحات امتهم، ولما تاسست جريدة "نينوى" في الموصل المناصرة لجمعية الاتحاد والترقي هنئها بقصيدة. نقتطف منها البيتين التاليين:

 

المجد من قوم حوته  نينوى

 

فغدا يمس سماكها هام السما

ولدت لها بنتاً دعتها باسمها

 

وقد ارضعتها بالفضائل والحجى

 

كما وقف مدافعاً عن الدولة العثمانية ازاء سياسة العدوان الغربية الموجهة ضد الدولة العثمانية، وفي محاولتهم قضم بعض اجزائها، فحينما حصل العدوان على جزيرة كريت، انبرى يحث المسلمين على ضرورة المحافظة على السيادة العثمانية والدفاع عن حياض الوطن وخاطبهم بقوله: ايها العثمانيون ان كريداً مزروعة بارواح العثمانيين ومسقية بدماء الموحدين فجديرة بان تنبت بشراً في عالم الوجود.."وحثهم على التضحية والشهادة في سبيل المحافظة على حياض الوطن وخاطبهم بقوله: "ايها العثمانيون ان كريداً منوط بها اسطولنا الذي هو عنوان عزنا وطليعة دولتنا فلنعد العثمانيين جميعاً.. انا لنسفك دونها اخر قطرة من دمائنا كما سفكناها اولاً ولنفدي لها النفائس والنفوس ولا نرى لذلك مللاً..".

ولما كان من لوازم تطبيق "الدستور الجديد" بعد انقلاب سنة 1908م. انتخاب رجال اكفاء ليمثلوا الامة في مجلس المبعوثان العثماني. فقد اعلن في الولايات العثمانية عن ترشيح الاشخاص الذين يرغبون بتمثيل مناطقهم. وفي الموصل رشح عدد من الاشخاص انفسهم كمرشحين لمجلس المبعوثان، منهم "محمد توفيق باشا صابوني زاده" وكان داؤد الملاح الى جانب المرشح، فنظم قصيدة يورخ بها هذه المناسبة وذلك في سنة (1330هـ/1911م). نقتطف منها الابيات التالية:

 

محمد اصبحت بين الورى

 

يضرب في دقة فكرك المثل

قد رشحوك مبعوثاً لنــا

 

علماً بان فيك ترويـح العمل

قد نمت الاراء في انتخابكم

 

ارخت ان الانتخاب قد اكمل

 

الا ان داود الملاح قد انقلب على الاتحاديين واخذ يهاجمهم في نفس جريدتهم وباسلوب جميل ولغة شعرية سلسة وممتعة، لما اطلع على أثار السياسة الاتحادية العنصرية، فكال لهم الحجج التي تدمغ مايتبعونه او يدعون اليه.

تعتبر هذه المرحلة نقطة تحول في مواقف العديد من رجالات الموصل ومثقفيها الذين ادركوا بان الاتحاديين يتبعون سياسة قومية مركزية متطرفة طورانية، اثارت حفيظة القوميات الاخرى، على الرغم من قيام بعض الزعماء العرب في الولايات العثمانية ببذل جهودهم لاظهار تعاونهم مع الاتحاديين الا ان الاخرين لم يتراجعوا عن سياستهم. وبخاصة بعد ظهور المقالات في بعض الصحف الموالية لهم والتي تهاجم العرب وتتحامل عليهم، مما ادى الى نمو الاتجاه القومي العربي الذي وجد صدى له في مدينة الموصل.

وكان داؤد الملاح احد الناشطين في هذا الاتجاه فاخذ ينشر الفكرة الوطنية القومية بين الشباب العربي. ويهاجم سياسة الاتحاديين، اذ اوضح بان الاستبشار بالدستور قد خيب آمال الجميع ممن يصبون الى حياة افضل وعبر عن ذلك بالقول: "قد كنا نتافف من تلك الامور قبل استنارة الدستور فلما انشق فجره وطلع بدره وهبت نسماته.. قلنا قد انقشعت عنا غياهب الظلم.. وامسى الظالم محصوراً والمظلوم منصوراً، فاذا الامور تدور على محورها القديم والامة تقاس العذاب الاليم والاستبداد على ازدياده والمتنفذ بالغ مراده قد صار له التطبع في الاستبداد طباعاً.." ويلفت داود الملاح انظار الحكومة الى ما آلت اليه الاوضاع في البلاد من فوضى وفساد وفقدان للامن: "فنستلفت انظار حكومتنا.. بان المتمردين آخلوا بالامن العام وقضوا بالفساد على العباد وشبوا نار الفتن في كل وطن وفقد الامان في كل مكان وعم الشقاء في سائر الانحاء فالطرق مقطوعة والحقوق ممنوعـة وماهذا الا انموذج من تراخي الامة وفتورهـا...

وقد حمل الملاح الحكومة العثمانية مسؤولية الانحطاط والتأخر الذي تعاني منه الامة قائلاً: "لو امعنا النظر فيما حصل وفصلنا الامور لعلمنا ان الحكومة اولاً وآخراً وحالاً هي السبب الاوحد لاضمحلال الامة وانحطاطها وعدم ترقيتها". ويتوجه مخاطباً الحكومة العثمانية ومحاججاً اياها: "ايها الحكومة الدستورية: ماذا صلحتم من الامور من حين اعلان الدستور.. وماذا قومتم من الاعوجاج القديم على النهج المستقيم.. واي مكاتب شيدتم ومعارف نشرتم". ثم يعرض على الحكومة حال الامة. ويوضح كيف ان الامة قادرة على فعل ماتصبو اليه: قد كنا صامتين في دور الاستبداد اذ كرت علينا جيوشه لان ليس لنا ناصر ولا مجيب والامة في رمق الاستبداد، اما اليوم فالامة لاتغض جفنها على الضيم ولاترضى لنفسها الاهمال عن حقوقها ".

وحينما جال الرجل بناظرية  على احوال الامة وراى ماهي عليه من تأخر وانحطاط آمن بان خير علاج لها هو الاصلاح وترقية شؤونها، واعتقد ان دعائم الترقي لاتقوم الا على: "العدالة وحسن النية من الحكومة والاتحاد وعلو الهمة" فالعدالة لديه تعنى اساس الملك وعنوان العمران وانتظام البلاد ورفاهية العباد، اما علو الهمة فبها تغنى العلوم وتحل دقائق المشكلات": فمتى حصل عندنا هذه الخصائل.. يقال قد بزغت عندنا شمس المشروطية... طلع كوكب الحرية وهناك ينشق فجر الترقي..".

كما حث على السعي والعمل وتحصيل العلم للوصول الى المدنية وارساء دعائم الترقي حيث بين بان الاوربيين قد سبقوا غيرهم في مضمار التقدم والبناء الحضاري. ودعا الملاح الى الاقتداء بهم وفي كيفية بناء اوطانهم وحضارتهم. وعبر عن ذلك بقوله: "ان الانسان لايسمو الا باقتناء العلوم واقتناص المعارف.. علينا اذن توسيع نطاق اسباب الاكتسـاب التي هي الصناعة والزراعة والصناعة المنشودة والبقية المقصودة.. التي سبقنا بها القسم الاوربي مما يقف يراع القلم عن بيانها.. وما احرزه من الفنون واتسمـوا به من الكمال وحـازه من الثروة حتى دعوا ذوو التمـدن في عالـم الوجود".

وفي ذات الوقت لاينسى الملاح ماانجزه الاسلاف من مجد، وحضارة فيتوجه الى بني قومه ويحثهم على مواكبة ماشيده الاجداد وتبصرة ماتركوه من مآثر قائلاً:

"اما آن لنا ان نتلافى من آثار مجدنا القديم مافات ونحيي من مآثر اسلافنا مامات، الى متى نرضى بالانحطاط والفقر المدقع وخلو الساحة وسفر الراحة ونحن في ثروة من الاراضي الواسعة والبقاع المملوءة بالكنوز الطبيعية.. فيا اهل الوطن من ذوي الثروة اما تنظرون هذا وطنكم العزيز الواجب عليكم خدمته.. معطل من المعارف والصناعة ومعرى جسم من التجارة والزراعة، فهل حراً او وطني مواسي تهزه الاريحية الى جلب معامـل او ماكينات لاهـل وطنه"...

وتطرق الملاح الى هدر ثروات الامة واهمال الحقوق وتبديد احدى دعائم الاقتصاد المتمثل بالتجارة، التي عدها العمود الذي تقوم عليه دعائم الامور، ووصف تدهور التجارة بقوله: "التجارة سلكها مفروط وربطها محلول ومجالها مقطوعة وحقوقها ممنوعة لامرجع لها يلجأ اليه ولا نظام لها يعول عليه بل لوازمها مهملة.. واعظم داهية فيها، اضاعة الحقوق.. عن المحقوق حتى لو ادعى احد على احد في المحاكم يطلب حقه.. لزهقت روحه من تكرار صـدوره..".

وعد الملاح العلم خير وسيلة لبلوغ الاماني ودعا الشبيبة الى اغتنام الفرصة والتسلح بالعلم والمعرفة في سن الشباب(114). واعتبر ان الاتحاد والاتفاق من الوسائل الفعالة لخروج الامة مما تعانيه فدعا جميع الملل والعناصر الىالتعاضد والمحبة فيما بينهم:" ونحن في ذلك الفكر الحالك من عدم الاتحاد والاتفاق في احوج المسالك.. فهلموا الى التعاقد وارتشفوا كؤوس المحبة..".

واتخذ الملاح القصائد الشعرية والاناشيد الحماسية احدى الوسائل لتعبئة النشيء الجديد وتذكيرهم بمفاخر اجدادهم وتراث  امتهم واعتزازهم بقوميتهم العربية، وتحفيزهم على ترسم خطى اعاظم االعرب فيما شيدوه من حضارات كان لها ابلغ الاثر في نمو حضارات الامم الاخرى فطفحت اناشيده تتغنى بامجاد العرب وتغنى على كل لسان، ففي قصيدة نظمها الى طلاب دار العرفان تحمل ماذكرناه من معاني جاء في مطلعها:

 

   نفسي فداء القوم في الارض كانوا نجوماً

اذ بكيت عليهم دماء فلست اكون ملوماً

كما نظم مجموعة اناشيد ضمن نفس الاطار،والتي كانت تنشد في المدارس في احدى هذه  الاناشيد يفتخر بما انجزه العرب من مفاخر وماتركوه من مآثر فيقول:

 

هبوا بني وطني واستلفتوا الانظار

واحيوا ماخلفوا اجدادنا الاخيار

 

وفي نشيد اخر يستنكر على قومه التراخي واللامبالاة بما يحيق بهم من تأخر وانحطاط وتفشي الجهل، فيحثهم على نبذ الكسل والخمول والسعي نحو العمل واستلهام الماضي والاستفادة من دروسه، فيقول:

 

يااباه الضيم ماهذا التراخي والسكون

اما كان لكم في سالف الدهر شؤون

 

لقد ساهم الملاح في النشاط القومي وحركته بالموصل من خلال الندوات والاجتماعات مع حملة الفكر القومي، وتوفي بالموصل سنة 1916م عن عمر يناهز الخمسين سنة.


تعليقات