محمد شريف الفاروقي: والثورة العربية الكبرى




ولد في الموصل سنة 1885م. وتلقى تعليمه على كتاتيبها، ثم انتقل الى المدرسة الابتدائية فالمدرسة الرشيدية فالاعدادية الملكية، حتى تخرج فيها فارسله والده الى المدرسة العسكرية في بغداد، فتخرج فيها بعد اربع سنوات، فارسلته الحكومة الى العاصمة العثمانية لاكمال دراسته فدخل مدرسة الفنون الحربية في المكتب الشاهاني العالي وتخرج برتبة ملازم ثاني للمشاة سنة 1907. وقد تقلد مناصب عسكرية عدة في الجيش العثماني، منها تعينه معلماً لفن الرماية في الفيلق الثاني عشر وضابط الامر لدى قائد الفيلق المذكور. وكان الفاروقي منذ ايام دراسته قد غلبت عليه فكرته الادبية ومطالعته للصحف والمجلات واستقراءه للاحداث والتطورات في العاصمة العثمانية، فحرص على سماع الخطب والمحاضرات في التجمعات والنوادي الثقافية وكان يدخل متنكراً بغية الاطلاع على مايدور فيها فعظمت في نفسه النفرة من الاتراك في الوقت الذي كانت الثورة قد اندلعت في حوران والكرك في بلاد اليمن والتي كثرت فيها مظالم الاتراك، بنهوض الادريسي وكان لتلك الاحداث أثر في انعكاس ضلالها على افكاره وفي توسيع وتبلور الفكرة العربية القومية في منهجه وبخاصة بعد حصول الاضطرابات في الجزائر ومراكش من جراء تدخل فرنسا واسبانيا في شوؤن تلك البلدان العربية والاسلامية، وكان الفاروقي وقتذاك في المدرسة الحربية، فعزم على الهرب ولما علمت ادارة المدرسة بنواياه، القت القبض عليه وحبس لمدة (3) أشهر.

ولما كان في الروم ايلي انضم الى الاتحاديين نظراً لما كانوا يتظاهرون به من عزمهم على اعلاء شأن المسلمين وحفظ حقوق القوميات والدعوة الى المساواة والاخاء والعدل، وحينما عاد الى الموصل، أخذ يعمل على بث فكرة الاتحاديين بالتعاون مع زملائه الوطنيين الذي علقوا آمالاً على ادعاءات الاتحاديين، فعملوا على تقوية فرع جمعية الاتحاد والترقي واخذوا يعقدون الاجتماعات وينشؤون الخطب ويدبجون المقالات الصحفية في جريدة "نينوى" الموالية لهم، ولكن سرعان ماتكشفت نوايا الاتحاديون من خلال سياساتهم العنصرية ودعواتهم الطورانية مما حدا بالفاروقي والعديد من مناصري جمعية الاتحاد والترقي الى التخلي عنهم، فانضم الى "الحزب الحر المعتدل" الذي سمي فيما بعد "حزب الحرية والائتلاف" فثابر الفاروقي على تأييده وبث افكاره. وتولى مهمة عقد الاجتماعات التي يحضرها المهتمين بالعمل الوطني والقومي امثال داود الملاح وداود الجلبي وغيرهم.

وحينما نشبت الحرب في طرابلس الغرب قبيل الحرب العالمية الاولى طلب الفاروقي الانضمام الى جيش محمد السنوسي غير ان رغبته لم تلبى،وفي اثناء الحرب العالمية الاولى وعلى اثر اعلان التجنيد العثماني العام ذهب مع الفيلق الثاني عشر الى سوريا، وانشيء الفيلق مدرسة ضباط احتياط فعين الفاروقي معلماً لفن التعبية العسكرية، فكانت فرصة له استثمرها في بث الافكار العربية بين ابناء بلدته محاولاً ايقاظهم وغرس مباديء القومية العربية وحب الوطن حيث اطلعهم على الخطط التي استندت عليها سياسة الاتحاديين في تتريك العرب والقوميات الاخرى، وأخذ يتدارس معهم كيفية وضع الخطط الكفيلة باحباط السياسة الاتحادية ولشدة تحمسه لافكاره كاد ان يجعل من المدرسة العسكرية نادياً قومياً.

وكان الفاروقي يأنس للادارة المدنية، الا انه لايراها كافية لتقويم كيان الامة بدون مساندة العسكريين وفي هذا الصدد يقول: "كنت ارى ليس من الصواب ان يكون العسكريون حزباً مستقلاً وحدهم لانني أعتقد وكذا التاريخ يقول أن الجمعيات العسكرية لابد من ان تخطيء سياسياً، لذا صرفت جهدي في توحيد الاحزاب الموجودة في سوريا المتشكلة من الملكيين والعسكريين تحرزاً من الخطأ وتقرباً من الحقيقة،وقد توفقت الى ذلك والحمد لله".

ونظراً لشدة ايمانه باهمية العمل القومي وضرورة التعبير عن شعوره ازاء هذا العمل، فقد قرر سنة 1915 ومعه بعض الضباط العرب الهروب من الجيش التركي والالتحاق بالثورة العربية في الحجاز، غير ان السلطات التركية سرعان مااحبطت عملهم فالقت القبض عليه مع رفاقه واودع بالحبس لمدة اسبوعين في مدينة حلب، ثم افرج عنه وارسل الى الاستانة ومنها الى (غليبولي) حيث كانت المصادمات قائمة بين الانكليز والاتراك في معارك الدردنيل.

ولما اشتدت المعارك ووقع عدد كبير من القتلى والجرحى من الطرفين، تمكن الفاروقي من عقد اتفاق مع احد القادة العسكريين الانكليز على اخلاء ساحة المعركة من القتلى والجرحى، وكان هذا الاتفاق فرصة له ليترك الجيش التركي ويلتحق بالثورة العربية وفق الشروط التالية:

1- ان لايعتبر اسيراً باي وجه من الوجوه. 

2- ان يعامل معاملة الضيف اثناء اقامته عندهم.

3- ان يرسل الى مصر ومنها الى المكان الذي يرتئيه خدمة لمصلحة العرب والقضية العربية. 

4- كتمان امر هروبه خشية بطش الاتراك باهله واخوانه.

وطبقاً للاتفاق الذي توصل اليه مع الانكليز فقد تم نقله الى مصر في الوقت الذي كانت المفاوضات جارية بين الشريف الحسين بن علي والانكليز بشأن اعلان الثورة واهداف العرب. وقد ظهر بان الفاروقي عضواً في جمعية "العهد".

كما ارسل الفاروقي رسالة تعريفية الى الشريف حسين في الحجاز في 6 كانون الاول 1915، تضمنت تعريفاً بنفسه وبعض رفاقه مبيناً ظروفهم وكيفية هروبهم من الجيش التركي، ومعرباً عن استعداده لخدمة القضية العربية وبذل اقصى الجهود في سبيل اعلاء كلمة العرب وتحقيق استقلالهم.

ومما جاء في رسالته: "نحن رجال ليس لنا أرب سوى الاستقلال ونحن مستعدون لتضحية كل مايلزم لهذا الاستقلال.. ونحن نرى الموت حياة في سبيلها ولنا ثقة بأنفسنا.." فأجابه الشريف حسين برسالة شكره فيها على مشاعره واستعداده للتضحية، ومكلفاً اياه بان يكون ممثله الشخصي في القاهرة.

من جهة أخرى سارع الفاروقي في بذل كل الجهود لاطلاق سراح الاسرى العرب في المعتقلات سواء في مصر او في الهند وبخاصة العسكري ذوي الرتب العالية، بغية افساح المجال لهم للاشتراك في الثورة العربية، وتحقيق آمال العرب.

جدير بالذكر بأن الفاروقي لم يكتف بالمساهمة في الثورة من خلال العمل الدبلوماسي كممثل شخصي للشريف الحسين بل شارك في المعارك التي دارت مع القوات التركية، ففي اليوم الاول لاندلاع الثورة في مكة اشترك في فرض الحصار مع الثوار على الحامية العسكرية التركية في البلدة حتى استسلمت. اما سياسياً فقد كانت مواقف محمد شريف الفاروقي على جانب كبير من الاهمية ويشكل دوره القومي في الثورة العربية الكبرى سنة 1916 ركناً بارزاً في حلقة الاتصالات التي كانت دائرة بين الاطراف المعنية: يقول ايلي خدوري عن مواقفه": عندما كانت المفاوضات بين الشريف حسين وهنري مكماهون قد أخذت دورها ومكانتها، كان الجانب البريطاني يمتلك سبباً جيداً للتفكير والاعتقاد بأن محمد شريف الفاروقي هو الرجل المتكلم المناسب لاولئك القادة والضباط العرب الذين لهم نوايا الثورة ضد العثمانيين.. وقد شهد لصالحه الشريف حسين ".


تعليقات