الراحل عبد الباسط يونس رائد النهضة الصحفية في خمسينات القرن العشرين



الراحل عبد الباسط يونس رائد النهضة الصحفية في خمسينات القرن العشرين



لا يختلف مرء وآخر على أن مدينة الموصل موئلاً للإبداع والعطاء والريادة وهي مدينة ولود. وقد حازت قصب السبق في كل مجال .

وفي ميدان الصحافة أُسست فيها ثاني صحيفة في العراق سنة 1885 بعد الزوراء في بغداد وهي صحيفة رسمية ناطقة بإسم السلطات الحكومية حينذاك .

وفي أوائل القرن العشرين ولدت جريدة النجاح ثم نينوى الأهليتين ، اللتين دُبجتا    على صفحاتها المقالات المختلفة .

إن التطور الهام الذي شهدته مدينة الموصل في إطار نهضتها الصحفية جاء في منتصف القرن العشرين ، فبرز في الموصل حملة الأقلام الوهاجة في مدادها وهم الرعيل المؤسس للحركة الصحفية في الموصل ، ومنهم الرائد الصحفي الراحل عبد الباسط يونس الذي عمل في ميدان الصحافة بشغف وبهمة عالية .

إذ عـدَّ العمل الصحفي رسالة إنسانية ومهنة وطنية تنطوي على القيم الأخلاقية النبيلة في تكريس حب الوطن والسعي لبناءه . وفي إطار هذه المفاهيم صدح الراحل عبد الباسط يونس بأفكار وأطلق صيحاته مدوية في جنبات المدينة والوطن ، وعلى صفحات صحفه داعياً للنهضة الإجتماعية والإصلاح السياسي ، مؤشراً على مواضع الخلل ، فقد كانت إفتتاحيات صحفه لاهبة في أفكاره ، منتقداً آنذاك الوزير أو رئيس الوزارة ومقترحاً أو محللاً أو معاتباً أو غاضباً أو داعياً لإحقاق حق لا تأخذه فيه لومة لائم ، مستلهماً روح الوطن والوطنية ومرتكزاً على المبادئ الإسلامية والنهج العروبي القويم .

إن تلك الأفكار والدعوات وما سطّره يراعة من مقالات أزعجت السلطات في العهدين الملكي والجمهوري ، فما أن تُسَـد صحيفة له حتى ينتقل إلى أخرى معبراً عن عزيمته الصلبة وإرادة قوية ونهجه الذي لا يحيد .

فلا غروة أن نجد إسمه في ترويسات العديد من الصحف متتالية هي (المثال ، الهدف ، العاصفة ، الفجر ، الراية ووحي القلم) .

وقد إضطرته جراءته في المجاهرة بأفكاره الوطنية المخلصة وعمله الصحفي الدؤوب إلى إحراجات جمة مع السلطات آنذاك ، وهو المعروف بنهجه الوطني والعروبي إذ عبر عن عمق إرتباطه الوطني بالمشاركة الواعية في الأحداث الوطنية والقومية ، فشارك في تظاهرات عام 1948 ضد معاهدة بورت سموث وكذلك في إعتصام الطلبة في الإعدادية المركزية بعد أحداث فلسطين وألهبت مقالاته مشاعر الجماهير في الأحداث الوطنية عام 1952و 1956 وكذلك عام 1958 .

حتى إذا كانت ثورة الموصل الوطنية عام 1959 كان أحد مذيعي البيانات الرسمية في إذاعة الموصل إلى جانب عبد الله الأربيلي وزملائه تعبيراً عن تفاعله مع الحدث ومعبراً عن تجذره بالموصل وأهلها وما يحق لها من خطوب .

وحينما أغلقت الصحف الأهلية في عموم البلاد في أواخر الستينات ، لم يرض الإبتعاد عن أساس مهنته ، بل إختار التمعن في الكلمة والكتاب والعلم ، فأسس مكتبته العتيدة التي ضمت أمهات الكتب في العلوم السياسية والتاريخية والإجتماعية وغيرها .

فلم تكن تلك المكتبة كغيرها من المكتبات ، بل هي مجلس وندوة ثقافية وعلمية وفكرية بما تضمه يومياً من صفوة القوم ، وسراة المدينة ومن المثقفين الذين يتحلقون حوله يومياً في مناظرات فكرية وجلسات تحليلية للأوضاع العامة وما هو سائد في البلد ، إن ذلك المجلس وكذلك المكتبة مثلا عاملا إستقطاب لكل باحث ودارس وطالب علم وبخاصةً طلبة الدراسات العليا وأساتذة الجامعة والمهتمين بالتأريخ والصحافة والحركة الوطنية والقومية ومن يبحثون عن إجابة وافية عن مسائل ومواضيع عالقة بعد أن أضناهم البحث في بطون أمهات الكتب أو دور الوثائق . فكان الراحل ضالتهم يعينهم بالرأي الحصيف أو يثريهم بحادثة بعينها ويعيرهم الكتب والمصادر ويدلهم على الأخرى .

لقد كان الراحل الصحفي عبد الباسط يونس ذو سجايا وخصال معروفة يستقبل ضيوفه ببشاشته المعهودة وترحابه الحار ومن خصاله انه مبسوط اليد وجواداً وكريم النفس ورقيق الكلمة وعذب الحديث وكان متابعاً بشغف لأنشطة الجامعة وبخاصةً الأنشطة العلمية والثقافية لمركز دراسات الموصل .

وحينما عزم مركز دراسات الموصل سنة 1997 على تأسيس قاعة لمتحف ثورة الموصل 1959 كان الراحل من أوائل المتبرعين مادياً بسخاء لتخليد صفحة ناصعة من تأريخ مدينة الموصل الوطني .

إننا اليوم في إستذكارنا للصحفي الراحل عبد الباسط يونس نستذكر كل أولئك الرواد الذين أنجبتهم مدينة الموصل في عطائهم الصحفي الثر الذين نذروا أنفسهم في النضال من أجل الكلمة والحقيقة أولئك الرواد الذي لا يتسع المقام لإيراد ذكرهم جميعاً ، فهم حَمَلة مشاعل النور مع هموم الوطن والمواطن في الأزمنة الصعبة .


تعليقات