سليمـان فيضـي: والكفاح الوطني

 




وهو سليمان بن الحاج داود بن الشيخ سليمان القصاب، ولد في مدينة الموصل سنة 1885م، تلقى تعليمه في كتاتيبها، فحفظ القرآن الكريم، وفي العاشرة من عمره دخل المدرسة الاعدادية الملكية في الموصل، ثم التحق بعدها بالمدرسة الاعدادية العسكرية ببغداد، وبعد مضي سنة التحق بالمدرسة الحربية في الاستانة، الا انه فصل من المدرسة الحربية مع اثني عشر تلميذاً نتيجة مشادة كلامية تطورت الى الضرب مع بعض الزملاء. ومن اجل التهرب من الخدمة الالزامية في الجيش العثماني، سافر الى نجد لمدة اربعة أشهر في كانون الثاني سنة 1904 ثم عاد وسكن مدينة البصرة، وانهمك في قراءة علوم اللغة العربية وقواعدها وركز اهتمامه نحو دراسة القوانين على بعض الحقوقيين، فعين مترجماً في القنصلية الايرانية في البصرة وذلك لالمامه باللغتين التركية والفارسية، لكنه استقال بعد بضعة اشهر متفرغاً لمهنة المحاماة، ففي اوائل سنة 1910 سافر الى الاستانة وادى امتحان المحاماة في مدرسة الحقوق وحصل على شهادة رسمية تخوله ممارسة المحاماة، وكان قبل سفره الى العاصمة العثمانية قد اصدر سنة 1909 (جريدة الايقاظ) وهي اول جريدة اهلية في البصرة ولدى عودته من العاصمة العثمانية، سافر الى الحجاز لاداء فريضة الحج وبعدها تقلد عدة مناصب في الدولة، فشغل عضوية محكمة بداءة البصرة ورئاسة محكمة الحقوق، وانتخب مبعوثاً عن لواء العمارة في مجلس المبعوثان وانتخب ايضاً مبعوثاً عن ولاية البصرة، كما شغل عدة وظائف مجانية في معارف البصرة، وبعد تأسيس الحكم الوطني ساهم في عدد من الجمعيات منها، لجنة الدفاع عن فلسطين وغيرها من اللجان الوطنية والقومية، حتى وافاه الاجل المحتوم سنة 1951.

وقد أهتم فيضي بقضايا أمته وتحريرها من السيطرة الاجنبية منذ وقت مبكر من شبابه، ومن ابرز اعماله التي تعبر عن شدة ايمانه بالقومية العربية واخلاصه لامته ووطنه، تلك المهمة التي وصل من اجلها مدينة الموصل في 22آب 1913، موفداً من قبل (طالب النقيب) حاملاً معه منهاج "جمعية الاصلاح اللامركزية" ليجعل لها فرعاً في الموصل. وبعد وصوله شرع بوضع خططه الرامية الى بث الدعوة بين العسكريين والمدنيين بمساعدة بعض الشبان المهتمين بالعمل الوطني امثال: علي جودة الايوبي ومولود نخلص وسعيد الحاج ثابت وابراهيم عطار باشي وغيرهم، ولقد كان العمل شاقاً بسبب القيود التي فرضها رجال السلطة على تحركات سليمان فيضي، حيث كان الاتصال به من قبل الاهالي محظوراً والاقتراب منه من قبل الضباط ممنوعاً فأعتمد على سعيد الحاج ثابت وابراهيم عطار باشي في ايصال تعليماته الى المتحمسين للعمل الوطني ونقل المطبوعات السرية وعقد الفيضي عدة اجتماعات سرية في بيت محمد حبيب العبيدي، حيث سرت الدعوة في الاوساط العسكرية والمدينة بشكل واسع وتوافدت الطلبات للانتساب في الجمعية المذكورة. ونظراً لخطورة نشاط سليمان فيضي في الموصل، فقد ارتابت السلطات الاتحادية من تحركاته، فأوعزت هذه السلطات الى (خالد بيك) مدير شرطة الموصل، بتحجيم وتقييد تحركاته وبمراقبة الضباط الذين يتصلون به وببث الاشاعات والدعاية الكفيلة بأحباط مساعيه بين الاهالي، بحجة انها محاولة للقضاء على الدين الاسلامي وتدعو الى التمرد على (الخليفة).

وقد أستفاد سليمان فيضي من مشاعر الاهالي التي غمرته وللمكانة الدينية التي تمتع بها والده، اذ مكث سليمان فيضي في الموصل من اجل مهمته قرابة اربعين يوماً تمكن خلالها من الاتصال بأغلب الرجال ذوي الميول الوطنية والقومية فيها. ومن الاساليب التي اتبعها بعد فرض الرقابة على تحركاته، ظهوره بمظهر العامل في نواحي العلم والادب، فتقدم الى السلطات الحكومية بطلب تأسيس معهد ادبي بأسم "النادي الادبي" مرفقاً بصورة المنهاج، فوافقت السلطات على طلبه، وكانت هذه الموافقة محاولة لجس النبض وماستسفر عنه تحركات النادي، واختار دار نوري افندي عبدالباقي مكاناً للنادي في محلة السرجخانة، ووجه الدعوة العامة لحضور مراسيم الافتتاح وحضر الخطباء والادباء واعدوا الخطب والقصائد الشعرية، ولما رأى ان الحكومة قد ضاعفت من مراقبتها وخشية تأزم الامور، فقد صرف نظره عن افتتاح النادي وقفل عائداً الى البصرة.

ومهما يكن من امر تلك المهمة القومية التي قام بها سليمان فيضي فانه لاينكر مالتلك المهمة من اثارة للوعي القومي في الموصل وفي محاولة تنظيم تلك المشاعر وتأطيرها في جمعية سياسية وطنية تعمل من اجل التصدي للاحتلال والمطالبة بالحقوق المهضومة والاستقلال.

وقد بلغ الحماس لهذه الجمعية السرية ان انتسب اليها مايقارب (29) مدنياً و (9) عسكريين وهم  يمثلون صفوة الرجال الاحرار ذوي الميول الوطنية والقومية في الموصل. 

إن تلك الزيارة لسليمان فيضي لم تكن الاخيرة فقد اعقبها زيارة اخرى بصحبة مولود مخلص سنة 1920 وقد استقبلا استقبالاً شعبياً منقطع النظير. كما اشتغل حاكماً في المحاكم العراقية بين سنتي 1917-1920 خلال الاحتلال البريطاني. وله بعض الآثار العلمية التي تبحث في مجالات الادب والقانون والسياسة وهي: الرواية الايقاظية طبعت سنة1919 "والتحفة الايقاظية الرحلة الحجازية" و "الف كلمة وكلمة" و "الحقوق الدستورية" وتعريب القانون الاساس الامريكي "وشرح قانون احكام الصلح" والمنتخب من اشعار العرب "واصول التبعات واحكامها في البصرة" فضلاً عن اعماله المخطوطة وهي "المنتخب من اشعار العرب ج2" والفرق بين الاجازتين والمقاطعة في الوقف "واخيراً" البصرة نخيلها وتمورها وانهارها .




تعليقات