هو محمود نديم اسماعيل ولد سنة 1895في مدينة الموصل ودرس على علمائها وتخرج في دار المعلمين ببغداد سنة 1916، وخدم في الجيش العثماني كضابط احتياط، وشارك في معارك الاتراك ضد الانكليز، وعند قيام الحكم الوطني شارك في تأسيس المدرسة الخزرجية الابتدائية وكان اول مدير لها، ثم نقل الى بغداد للتدريس في دار المعلمين الابتدائية، وهو من مؤسسي الحركة الكشفية في العراق، وعمل في مجال الصحافة حيث حرر في جريدة العراق البغدادية لصاحبها رزوق غنام. ثم عمل كاتباً في مجلس النواب سنة 1928 زمن عبدالمحسن السعدون، وبعدها دخل كلية الحقوق وبعد تخرجه عين حاكماً في منطقة زاخو.
وكان طبيعياً وهو المربي والمرشد التربوي ان يضع التعليم في اولويات اهتماماته النهضوية، لما للتعليم من دور اساسي في عملية البناء الاجتماعي والاقتصادي والعلمي وغيرها. فقد دعا الى التوسع في التعليم وانشاء الكليات والمعاهد العلمية فيقول: "فالموصل ظمآنة الى العلم ظماء التربة الخصبة الى المطر الغزير ومحتاجة الى توسيع نطاق المدارس فيها اكثر من غيرها. وما ذلك الالتوالي اجيال الظلمات على هذه البلدة المباركة..".
وقد تصدى لتشخيص الممارسات الاجتماعية الخاطئة ومعالجة الاثار المترتبة عليها، وتناول كذلك عوامل الضعف في الدولة، منطلقاً من تقديره بان اكبر خدمة يقوم بها الكاتب لشعبه وامته هي تمهيد طريق الترقي والحضارة للبلد وارشاده الى المسالك التي تنقذه من درك الانحطاط والتقهقر. ونظر محمود نديم الى احوال المجتمع العراقي نظرة متأمل متفائل بامكانية تجاوز حالة الانحطاط وارتقاء سلم التقدم والحضارة فهو يقول: "اذا أمعنا النظر في هذا الامر بالنسبة الى القطر العراقي ترأى لنا أمد بعيد يكاد يجر الى القنوط، غير ان هذا الامر قريب في نظر من يتأمل حال الشعب ويتحرى له سبل الفلاح، وحينئذ يرى الحاجة ماسة الى وضع قوانين تناسب حال القطر.. وتكون هذه القوانين مبنية على العوامل التي اوجبت انحطاط الشعب ليعرف كيفية التوقي منها". وقد حمل محمود نديم السلطات العثمانية مسوؤلية الانحطاط الذي يلازم البلد بقوله: "مكث العراق تحت الحكم العثماني (400) سنة مضعضعة تحت عبث ايدي الاتراك.. ولم ينل الى اخر يومه ادارة لم يشوبها المقاصد الشخصية وتخالطها الفظائع". ويمضي الرجل في ايضاح انعكاسات سوء الادارة على البلد، حيث يرى: "ان اكبر تأثير على التقدم والانحطاط (الادارة) التي تملك زمام الامور على الامة وتقوم بواجباتها فاذا اعتدلت تلك الادارة في مقدرات محكوميها من ابناء الشعب ومدت اليها يد المساعدة، فان الشعب ينهض بنشاط يرافقه التعاضد وينال مايرومه بسهولة وفي أقصر وقت.. غير ان القوانين السابقة كانت مانعة لانتباه العراق واستفادته من الترقي البشري. وقد أقامت مانعاً دون تقدم العلم وتعميمه..".
وأكد محمود نديم ان اهل الشرق هم اصحاب الحضارة الحقيقية وان الحضارة الغربية ماهي الا نتاج الحضارة الشرقية، وان التمدن الاجتماعي كان في ماضي الشرق ثم انتقل الى حاضر الغرب، وان الحضارة الغربية قد انعكست على الحضارة الشرقية بصورة لاتضاهي الاصل فيقول: "ولهذا نشاهد حياة الغرب الاجتماعية عوائد لم تتفق مع الطباع الشرقية ولم تأتلف معها منذ القديم فهي وان كان اساسها الرقي الشرقي الا انها لم تقتصر على ذلك بل كانت قد اقتبست بعد الاطلاع ماراق لها من عوائد الشرقيين وخصائصهم الجميلة وتركت مادون ذلك وحافظت على معظم عوائدها القديمة وسعت في اصلاحها طبقاً لما يلائم مجرى الحياة" وهنا يطرح محمود نديم السؤال التالي: أي الطريق أهدى بسلوكنا لاحراز التقدم الاجتماعي؟.
ويجيب ماملخصه بان هناك فريقين يجيبون على هذا التساول الفريق الاول ويمثل الاغلبية يرون في احياء مآثر السلف والرجوع الى خطة التاريخ العربي وهو اوفق لمعيشتنا مما يلائم اخلاقنا ويرفع منار ديننا ولغتنا ويحيي مآثر اسلافنا، اما الفريق الثاني وهم الاقلية فيرون، ان الرقي يتم على اساس اقتباس الحضارة الاوربية مباشرة، وهنا يحاول محمود نديم ان يوفق بين كلا الفريقين في طروحاتها حيث يشير الى ان الرقي يتم على اساس مقارنة الحضارة الغربية مع العصر الحاضر ومع حياة الاقطار الشرقية وتجري الطريقة المؤدية الى النجاح في اقتفاء الخط الوسط بين الاثنين واختيار مايلائم الحال ويضمن الفوز بالامل فينال المجتمع تقدماً عصرياً".
ودعا الكاتب الى التأمل فيما وصل اليه حال الغرب من التقدم في المضمار التقني والاقتصادي، واكد ان العلوم الاقتصادية تقوم على ارتباط الاعمال بعضها بالبعض الاخر فهو يقول: "واذا نظرت الى الاقطار الغربية ترى فريقاً من الناس مشمرين عن ساعد الجد يتنافسون في الاعمال ويتبارون في تحسين اشغالهم وصنائعهم وماهي الا ان تسمع بظهور آلة ثم تراها وقد قامت مقام مئات من الرجال وصرفتهم الى الاشغال بما هو افضل من العمل القديم. وترى فريقاً آخر يحرث الارض يسعى الى اصلاح الزرع وتحسين اسباب رائدة التجربة والاختبار".

