المؤرخ والمنهج العلمي في الكتابة التاريخية
يرتكز منهجنا في الكتابة التاريخية بشدة
الإيمان بأهمية صياغة المشهد التاريخي وفق الظروف الزمكانية بالاعتماد على الوثائق
المتاحة في التاريخ الحديث والمعاصر، دون الاستسلام والوقوع في أسر التفسير الاحادي
للحدث التاريخي، ذلك ان للتاريخ عينان اولهما للسلطة وتعمل على تمجيد وتبرير
افعالها، وثانيهما للمؤرخ الحيادي الذي يسجل الاحداث التاريخية بنظرة حيادية وفق
منظوره ومحيط عمله. وعليه فليس كل ما يكتب من كلا الطرفين يمثل حقيقة الحدث
التاريخي بصيغته النهائية. ووفق هذه النظرة فان الضرورة والامانة العلمية تحتم على
المؤرخ ان ينوع في استقرائه
للمشهد التاريخي وفق تعدد المصادر لتكتمل لديه صورة الواقعة التاريخية بكل شخوصها
وظروفها واسبابها.
ونعتقد
:

أن المؤرخ الباحث في التاريخ ان لا يكون
طرفاً سلبياً او ناقلاً للحدث فقط، بل ان يركن الى استخدام معطيات الحدث التاريخي، وهنا يكمن دوره في التفسير والتعليل
والتحليل والاستنتاج، وبذلك يكون قد ادى دوره العلمي على ان لا يتسربل الهوى الى
نفسه فيميل ميلاً الى هذا الطرف او ذاك من اطراف تشكيل الفعل التاريخي، وبذلك يفقد
حياديته المرجوة وامانته في نقل وتشكيل الواقعة وفق شروطها. ومن الاهمية الامساك
برقبة الاحداث الماضية وفق الرؤية المستندة الى العمق المعرفي والاحاطة التامة بكل
المعطيات التاريخية. لان عمل الباحث في التاريخ ينطوي على ايصال الحقائق بكل امانة
الى الجيل الاخر البعيد عن الحدث.
وعلى الباحث في التاريخ ان لا ينطلق وفق
رؤى مسبقة في التفسير التاريخي فيقع في الخطأ الفادح في التفسير والاستنتاج ويغمط
ربما حق رموز المساهمين بصياغة
الفعل التاريخي في حينه.
ونرى
بأهمية :
عدم تسييس الفعل التاريخي وادلجته، ففي
ذلك يجانب ويخالف الباحث ضميره في ايراد الوقائع التاريخية، ويعمل على تشويهها بل
عليه ان يمسك كل الاطراف المشاركة في صياغة الحدث التاريخي بكل دقة وامانة.
كما
نؤمن :
ان في بطون تاريخ العراق والموصل الحديث
والمعاصر بشكل خاص، كنوزاً من المواقف والصفات المجيدة بحاجة الى البحث والتنقيب
والتحري، وتسليط مزيداً من الضوء على المواقف
الرائدة ومنها بطولية وشجاعة، فضلاً عن الاراء والاتجاهات الفكرية المتعددة
الداعية الى النهوض والاصلاح.
شهد العراق
خلال تاريخه المعاصر، احداثاً سياسية وتحولات اقتصادية واجتماعية هامة، كان من
ابرز مظاهرها بناء المؤسسات الحكومية، وسن القوانين والتشريعات الحكومية، والسعي
لإرساء دعائم تجربة برلمانية وحزبية، وتلمس الحياة الديموقراطية، بالانتخابات
الشعبية، منذ تأسيس الحكم الوطني سنة 1921. وكيان الدولة العراقية العتيدة، من
خلال رجالاتها التكنوقراط في مجال الادارة العسكرية والمدنية والقضاء والصناعة
والزراعة، مع بروز فئات عريضة من المبدعين في الادب والفنون وتفرعاتهما المعروفة،
انها ارهاصات وجلبة بناء الدولة العراقية المدنية، والصراع المحتدم بين اصحاب
العرش العراقي، والحركة الوطنية من جهة، والوجود البريطاني وما يمثله من املاءات
على اصحاب القرار السياسي من جهة اخرى.
وكان نتاج
ذلك تجارب عديدة ومتنوعة على صعيد البناء الداخلي والعلاقات – العربية والاقليمية
والدولية، بتشابكاتها وتعقيدات المصالح المتداخلة لما هو وطني او قومي او دولي،
استمرت حتى بعد انهاء حقبة العهد الملكي، وما تلاه من العهد الجمهوري بتطوراته
السياسية المتلاحقة، وبروز دور الجيش العراقي بضباطه في انغماسهم في السياسة منذ
سنة 1936 و 1958 و 1959...
ان هذه
الصفحات العراقية ذات التنوع الاخاذ في آثارها على التحولات: الوطنية والاجتماعية
والاقتصادية وحتى السياسية والديموغرافية، وصعود فئات وهبوط اخرى. قد رسمت ملامح
المشهد العراقي الوطني خلال العهدين الملكي والجمهوري.
وهنا كان
لابد مّن يؤرخ كل تلك التطورات المتلاحقة بتشظيها، فظهرت فئات ممن احبوا الكتابة
التاريخية منهم ما اطلق عليهم (بالهواة) وقد كتبوا بموضوعية كونهم عاصروا الاحداث،
وفي طليعتهم المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني وهو (حجر الزاوية لمؤرخي تاريخ
العراق المعاصر)، وسواه، واخرين كتبوا للسلطة بما يبرر أفعالها ويلتمس لها العذر،
وغيرهم جامل على حساب الحقائق الموضوعية والوقائع المعروفة. وفئة مؤدلجة في
معاملتها مع الكتابة التاريخية، واخرى اشتركت بالعمل السياسي وكتبت بموضوعية كما
هو الحال مع الدكتور عبد الرحمن البزاز، وكتاب عسكريون وآخرون يساريون وتقدميون
وليبراليون، وجاءت كتابات البعض متسرعة في أحكامها متشنجة في طروحاتها.
وتبقى فئة
المؤرخين الاكاديميين الذين اعتمدوا في كتاباتهم على ادق الوثائق والحقائق
واعتمادهم النهج العلمي في التحليل والاستنباط والاستنتاج، هم مّن تصدوا فيما بعد
لارخنة، كل التطورات المتلاحقة في إفرازاتها المتعددة، واصدروا احكامهم على
الاحداث وشخوصه بموضوعية، خلال فترة التاريخ المعاصر منذ تأسيس الدولة العراقية
والفترات اللاحقة في العهدين الملكي والجمهوري.

