علي الجميـل: والدعوة للإصلاح الشامل في مطلع القرن العشرين

 


علي الجميـل: والدعوة للإصلاح الشامل في مطلع القرن العشرين

 

 


 

 

 

هو علي بن حسين بن محمد بن عبد الله الجميل من عشيرة الجبور الملحم.  ولد في الموصل سنة 1889م واتقن القراءة والكتابة العربية على يد اخته (اسماء) في البيت ولما كان ابوه تاجراً موسراً. فقد ارسله الى المدارس الاهلية حيث درس القرآن الكريم، ونشأ ولوعاً بالدرس حتى انه بدا الكتابة وهو في الخامسة من العمر. وبعد التعليم الابتدائي وتخرجه من المدرسة الرشدية قرا الاجرومية وشرح القطر على السيد محمد الفخري وقرا عليه ايضاً الفية ابن مالك وشرح السيوطي وكتباً مختلفة في المنطق والبيان والبديع، وتتلمذ كذلك على العلامة سليمان بك بن مراد بك الجليلي، ودرس الادب العربي والشعر على السيد احمد الفخري واخذ العلوم الشرعية والدينية على الشيخ عثمان الديوه جي.

اهتم والده بتعليمه وتثقيفه فعين له مدرسين خاصين لتدريسه اللغات التركية والفارسية والفرنسية. فأتقن اللغة التركية والفرنسية وله فيهما اشعار وترجمات. ولم ينل حظه في الفارسية ودرس الخط العربي فأتقنه، وتقلب في وظائف دواوين الحكومة. فعين كاتباً للضبط في المحكمة الشرعية بالموصل سنة 1908م. واستقال ليعمل مدرساً فخرياً في المكتب الوطني سنة 1909م ثم استقال ليغادر الموصل الى اسطنبول رفقة السيد محمد حبيب العبيدي عن طريق بيروت وانخرط هناك في المدرسة الشاهانية الملكية العليا التي امضى فيها اكثر من سنتين في دراسة الاداب الشرقية، شارك خلالها في تأسيس جمعية "المنتدى الادبي" وقد حرر في مجلتها وبعد عودته الى الموصل عن طريق حلب، اصبح مندوباً للجمعية في العراق يتلقى مناشيرها ومطبوعاتها.

وبعد رجوعه من اسطنبول الف رسالته "التحفة السنية في المشايخ السنوسية" اثر الغزو الايطالي لطرابلس الغرب وقد عمل ضد سياسة الاتحاديين سراً من خلال علاقاته بالقوميين العرب خلال الحرب العالمية الاولى وبخاصة اثناء تحريره جريدة "الموصل " وتصدى لتلك السياسة في كتاباته ومراسلاته ومن ابرزها رسائله الى زعماء الاتحاد والترقي ونظراً لشغفه وميله الشديد نحو الصحافة فقد تراس تحرير القسم العربي في جريدة الموصل والترجمة من اللغة التركية الى العربية في مطبعة الولاية. ولما توفي والده سنة 1917م، تسلم اشغاله التجارية واختارته غرفة التجارة بالموصل رئيساً لكتابها.

وبعد احتلال الموصل من قبل القوات البريطانية سنة 1918 م سعى الجميل مع بعض مثقفي الموصل الى تأسيس "النادي العلمي". انتخب الجميل عضواً في اللجنة الادارية للنادي وعهد اليه رئاسة تحرير مجلة "النادي العلمي" التي رفدها بالعديد من المقالات، وما لبثت السلطات الاحتلاليـة ان اغلقت النادي حينما شعرت بنزعته الوطنية وبانه يهتم بالقضايا السياسيـة. وبعد تأسيس الحكم الوطني كان عضواً في الحزب الوطني العراقي بالموصل ثم استقال منه نظراً لخلافات وقعت بينه وبين احمد بك الجليلي.

لقد رفد الجميل بنتاجاته الفكرية عدداً من الصحف والمجلات العربية، فقد نشر بعض القصائد الشعرية في جريدة "النجاح".  ونشر بعض اثارة القلمية وبخاصة عن تاريخ العرب في مجلة "لسان العرب" والذي اصبح وكيلاً لها في الموصل. ونشر كذلك في مجلة "المنتدى الادبي" لسان حال المنتدى الادبي في الاستانة، فضلاً عن قيامه بتحرير جريدة "موصل" في قسمها العربي، كما راسل جريدة "المصباح" التي اصدرها الحاج عبدالحسين الازري في بغداد قبيل الحرب الاولى، وراسل ايضاً جريدة "العراق" الصادرة في بغداد، ان شغفة لمهنة الصحافة دفع به الى اصدار جريدة "صدى الجمهور" في الموصل بالاشتراك مع المحامي عبدالله فائق فظهر العدد الاول منها في ربيع سنة 1927م وبقي الجميل يتراس تحريرها حتى وفاته. وكانت من الصحف الرصينة في تاريخ الصحافة العراقية. كما ان له اثاراً قلمية في المجلات اللبنانية والمصرية.

لقد كانت حياته القصيرة حافلة بالجد والنشاط ويصفه زميله روفائيل بطي قائلاً:

"كانت حياة الرجل تنطوي على صفحات متنوعة، فبينما تراه عربياً قحاً، اذ هو عامل للاتحاديين يحرر الجريدة الرسمية ويسبغ على حوادث الحرب الثوب الذي يريدونه وتارة تجده حراً في فكرة جريئاً في اقواله وطوراً تراه من اعوان السلطة.. وارى ان روحه كانت مضطربة ولم يكن له من القوة النفسية مايقوى على الثبات في طريق واحد".

وقد كتب على الجميل رسالة بتاريخ 11نيسان 1924م الى روفائيل بطيء يفصح فيها عما يعتمر في نفسه وفكره وبما يميط اللثام عن حقيقة ذاته فيقول الجميل:

"احب الحقائق ولكنني اصبر على اشد من الجمر، واروم الجهر بالحقائق اكف لساني فاسكت على مضض فتراني معذباً اغلب الاحيان، وربما مرت علي ساعات الليالي الطوال فاسكب فيها دموعاً على من لايعرفها تخفيفاً لآلآمي المختفية بين جوانحي" ويمضي الجميل في حديثه "يراني الناس في حالة وارى نفسي في حالة وشتان مابين الحالتين، لابد للحجب ان تتمزق وللالسنة ان تتفتق وللكلام ان يتدفق وللحقائق ان تلوح.."

ولع الجميل بالادب ونظم القصائد الشعرية فكان من ادباء الموصل وشعرائها المجيدين كما يصفه صديقه ابراهيم الواعظ، الذي يقول عنه:" علي افندي الجميل من ادباء الموصل وشعرائها المجيدين: كان رحمه الله رقيق الحاشية، حاضر النكتة، سريع البديهية، وقد اتصلت به وتوثقت بيننا عرى الصداقة مدة مكوثي في الموصل".

وله مساجلات شعرية ونثرية وله في شعر الاخوانيات قصائد عديدة وله شعر قومي وفير وكتاباته ذات نزعة عصرية نهضوية.

وكان لعلي الجميل علاقات وطيدة بالادباء والمفكرين العرب والعراقيين امثال: عبدالكريم الخليل وولي الدين يكن والياس انطوان الياس ومحمد زكي الخطيب واسعاف النشاشيبي وفهمي المدرس وساطع الحصري ومحمد كرد علي ومحمد الشاذلي السنوسي ومحمد الفراتي ومحمد عزة دروزة وجميل صدقي الزهاوي وغيرهم.

وكان ناقداً ومصلحاً اجتماعياً اذ ان له العديد من الاثار القلمية التي تعالج وتقترح وتنتقد بعض الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ويعد علي الجميل احد الدعاة الى الاصلاح والتجديد والبناء الحضاري من خلال النهضة الاجتماعية.

ففي اطار توجهه نحو الاصلاح الاجتماعي، كان يرى ان دعائم تقويم الاخلاق ترتكز على ثلاث: البيت والمدرسة والعالم، وطالب بتنظيم العمل والجهود لسائر القوى مؤكداً على مجال العقل وقوة الاخلاق.

وانتقد الجميل حالة السكون واللامبالاة التي اتسمت بها المدينة ودعا الى بث الحيوية والنشاط فيه. وتوجه الجميل الى قومه مخاطباً اياهم واصفاً تدهور الحال "كثرت الشكوى وعظمت البلوى وبلغ السيل الزبى وطال الرقاد وخمدت الهمم وتكاثفت غيوم الجهل.

ويفصح الجميل عما يرميه من دعوات الاستنهاضية المذكورة بالقول "نريد نيل المراتب والمنازل الراقية والمشاريع الخيرية النافعة للامة والوطن لتسموا الى سماء المجد والمعالي وتنهض بهذه الامم وتصقل افكارها وتهذب ناشئتها.. وتكون في مقدمة "الامم الراقية". فهو ينتقد اولئك الذين يعتقدون بان الشرف بالاجداد العظام وان باتوا عظاماً باليه، فحملوا العظام على رؤوسهم ونادوا بالعالم ليخضع لهم ويقدسهم الجمهور، وقد غفلوا او تغافلوا. عن الشرف العصامي فجمدوا الحقيقة.

وانطلاقاً من طروحاته النظرية في معالجة القضايا الاجتماعية والسياسية. فقد تطرق الى مسالة "الوطنية" وعد الوطنية مصطلح شامل يرتكز على اللغة والقومية والوطن.

ويندد الجميل بأولئك المتشدقين بالوطنية ولايترجمون اقوالهم الى عمل ملموس ويكتفون بإطلاق الاحكام لا غير ويعالج مهام المثقف حيال وطنه وامته "ولرب لحظة يصرفها الكاتب والاديب او الشاعر أو الخطيب في استنهاض قومه وحثهم على ما فيه خير البلاد من المواضيع الاقتصادية خير له من ان ينفق شهوراً واياماً في البحث عن المدنية الغابرة والمجد المندرس.

وفي سبيل تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية: فقد استند الجميل الى التراث العربي المجيد في ايضاح مدلولات بعض التعابير والمفردات الشائعة خطأ بين الناس ثم يشيد بمحاسن العرب والفضائل وسمو الاخلاق والصبر والايلاف والوفادة والرفادة والسقاية والرياسة واللواء والندوة.

ومن اجل اشاعة الاجواء الثقافية واعمام العلوم في المجتمع فقد دعا الجميل الى تبني فكرة تأسيس المنتديات الاجتماعية والادبية لما لها من منافع تخدم البلاد. وقد اغتبط الجميل حينما اسست (مكتبة الخضراء). في الموصل وعبر عنها بالقول:" ان اسم مكتبة الخضراء يذكرنا بالحمراء ومجدها السالف.. الخضراء مكتبة شيدت اركانها على العلم واقيم اساسها على المدنية والادب حوت من كل فن كتباً عظيمة ورسائل مفيدة.

واوضح منافع الخطابة والحوار والنطق في معالجة الامور. وانطلاقاً من كون الجميل احد الادباء الذين يقرضون الشعر، فقد حاول ايضاح بعض الفروقات في المسميات الادبية فهو يرى "ان النظم غير الشعر.. وان الشعر هو مرآة اداب الامم السالفين وديوان اخلاقهم ومذاهبهم واديانهم بل لسانهم الذي يترجم لنا تاريخهم...

وفي اطار اهتمامه بالادب والتراث العربي واللغة العربية، فقد انتقد الجميل الذين يتصدون للكتابة في الصحف قبل ان يصونوا تعابيرهم من الاغلاط النحوية.

وفي نظرته لأهمية العلم في حياة الامم، فقد ربط الجميل العلم بالاخلاق وعدهما مترابطين احداهما مكمل للاخر، وان العلم سلاح ذو حدين كما اوضح ماللسلوك من تأثير على حياة الامم واشار الى ضرورة امتلاك الانسان لرابطة جأشه والتحكم في سلوكه وغرائزه حيث ان في الانسان غرائز اذا اطلق لها العنان ولم تغلبه على امره. كانت له خير رادع عن مضار الاسترسال في ضروب الفساد "ويرى" ان الطبيعة افضل مؤدب عند فقدان الرادع الشخصي..

وفي سياق رصده للظواهر الاجتماعية والتنبيه حول مخاطرها تطرق الجميل الى مساوى ظاهرة تناول الخمر، وحمل مسؤولية استفحال هذه الظاهرة الى الحكومة العثمانية والى سوء تربية الاباء للابناء.

وقد عول الجميل الكثير من الأمال على الصحافة في احداث التغيير والتوجيه والارشاد واعتبرها احدى وسائل الترقي

وكتب الرجل في الفكرة القومية ودعا الى الوحدة العربية في مقالاته "السبيل في نهضة العرب" ودعا الى هجرة اللبنانيين الى العراق للتوطن فيه بدل هجرتهم الى امريكا.

واكد على حاجة المجتمع الى حماية الانتاج الوطني وحماية العمولات الوطنية واعتبر البطالة داء وبيل، واكد على احترام القانون وحاجة المجتمع الى اصلاح القوانين والاصول الجزائية بما يتفق وتقدم المجتمع في مناشدته لنواب الامة. ودعا الى قيام ثورة زراعية في العراق لتوفر وسائل وعناصر الانتاج، والى نهضة صناعية والى تشجيع التجارة، فيقول "امامنا الآن مدرسة صناعة واحدة في الموصل بينما كان يجب ان يكون فيها مدارس صناعية كثيرة..

والمتأمل لما خطه مداد الجميل في اغلب آثاره القلمية يجده من طلائع المتحمسين لنيل المرأة حقها الطبيعي في التعليم وممارسة دورها في الحياة، فقد توجه الى الفتاة الشرقية مخاطباً اياها ببذل الجهد في سبيل تحصيل العلم والثقافة: "كلامي الى الفتاة الشرقية واخص منها العربية، اقرائي حفظك الله واخذ بيدك ورفع رأس الاجيال الاتية بك.." ويضرب مثلاً بما وصلت اليه الفتاة الغربية في تحصيلها للشهادات العليا ومشاركتها في الممارسات الديمقراطية والتصويت في البرلمانات. ويرى ان سعادة العائلة متوقفة على المرأة اذا كانت راقية عالمة ترقى العائلة اذ هي المربية الحقيقية الاولى وعلى اخلاقها تنطوي اخلاق ذلك الطفل الصغير الذي تعلق عليه الآمال فان كانت جاهلة ارضعته الجهل وان كانت عالمة فاضلة ارضعته العلم والفضل والادب وزينته بمكارم الاخلاق. وندد الجميل بالذين يعتبرون تعليم المرأة باعثاً لافسادهن وعد تلك الاقوال والتصورات، مبعثها العادات القديمة البالية والخيالات الواهية التي غرسها الجهل.

كان علي الجميل قد اصيب بمرض الكلى اثناء الحرب الاولى، فقصد حلب وتطيب فيها. ثم اصيب سنة 1928م بالمرض نفسه فعاد الى حلب  وهناك توفاه الله في 1تشرين الثاني 1928م فحمل جثمانه الى الموصل ودفن فيها. وقد ابنه عدد من مثقفي الموصل ومنهم داود الجلبي الذي قال بحقه "كان مثالاً للإنصاف وعلماً رفيعاً. كان مصدراً للمشاكل القومية والمواقف السياسية وخطيباً مصعقاً لا تأخذه في احقاق الحق سفاسف المخرصين.. وهو من طبقة العقليين اذ كان له من الافكار السامية والأراء السديدة.. وكان لايفتى يخط ويقرأ ويحرر وينظم ويكتب... من طالع طرفاً من كتاباته يعرف حقاً ماكان يضمره من الخير لهذه الامة العربية.

 وقد ترك رغم قصر حياته المضطربة، مجموعة بارزة من التأليف والكتابات الادبية والفكرية والسياسية التي لم يزل اغلبها مخطوطاً  وهي على التوالي:

1-    "ديوان علي الجميل" وبرفقته مساجلاته ومراسلاته.

2-    "اوراق قومية" (وفيها معلومات خصبة عن حياته القومية في بلاد الشام واسطنبول قبيل الحرب العالمية الاولى).

3-    "التحفة السنية في المشايخ السنوسية" (كتاب الفه بناء على رغبة القادة السنوسيين ضد الاحتلال الايطالي، مطبوع في الموصل عام 1911م. وقد صادره الاتحاديون واحرقوه).

4-    "حديث الليل" (في الاصلاح الاجتماعي) نشر جزءاً منه في جريدة صدى الجمهور.

5-    "نوابنا في الميزان" (في النقد السياسي) نشر جزءا منه في جريدة صدى الجمهور.

6-    "همسة في الآذان" (مجموعة مقالات).

7-    "دموع وشهقات" (رواية).

8-    " ديوان السيد احمد الفخري" (جمع وتقديم وقد نشر جزءا منه).

ولابد من الاشارة الى ان المستنير علي الجميل هو جد المؤرخ والمفكرالدكتورسيار الجميل ذي المؤلفات والمقالات المتعلقة بتاريخ العراق الحديث والمعاصر والتي اغنت المكتبة العربية والوطنية بطروحاته وتحليلاته العلمية.


تعليقات