الاجواء الرمضانية
لمدينة الموصل في الماضي القريب
أ.د. ذنون الطائي
زخرت
مدينة الموصل حتى الماضي القريب بأجواء ونفحات ايمانية تدلل على شدة تدين اهلها
ومبلغ سعادتهم بحلول شهر رمضان الكريم، كيف لا وهو شهر انزل فيه القرآن، وفيه تغلق
ابواب النار وتفتح ابواب الجنة، كما تصفد الشياطين، رمضان الذي قال عنه الرسول
الكريم (لو علمتم ما في رمضان لتمنيتم الدهر كله رمضان) وجاء عنه في الحديث القدسي
(رمضان لي وانا اجزي به)..
وقد اعتاد
شيوخ اهالي الموصل ان يلهثوا بالدعاء قبل بضعة اشهر من حلوله ولسان حالهم يقول
(اللهم بلغنا رمضان).
وسنسعى
هنا للتوقف قليلاً لدى بعض المشاهد الرمضانية التي اندرس بعضاً منها بفعل تقادم
الزمن وتغير الاحوال في البلاد والعباد!
ففي شهري
رجب وشعبان يجّد الناس في اخراج زكاة اموالهم للفقراء المساكين وذوي اليتامى، كما
يتطوعوا الصوم في شهر شعبان تقرباً من الباري عز وجل لان اعمال المسلم تعرض في هذا
الشهر المبارك وكذلك تعويداً للنفس.
وفي اخر
شهر شعبان يخرج بعض الشيوخ والرجال الى اطراف الموصل تحرياً لميلاد شهر رمضان، بعد
صلاة المغرب وبخاصة في منطقة (البو سيف) فاذا ما شاهدوا الهلال قفلوا عائدين الى
القاضي الشرعي في المحكمة للادلاء بشهادتهم واعلان بداية شهر رمضان، فيكبر
المؤذنون في الجوامع ويرحبوا برمضان بقولهم (مرحباً مرحباً يا رمضان يا شهر الطاعة
والتراويح والغفران) وغيرها من عبارات الترحيب. وتطلق بضع العيارات من المدفع قرب
الجسر القديم لاعلام الناس برؤية الهلال.
وتزدحم
الاسواق وتكتظ بالمتبضعين بكل المستلزمات المادية والغذائية من مفردات الطعام
والحاجيات المهمة للصائم، وبذلك تزدهر بعض المهن مثل: بائع الحلويات والمرطبات
والعطارين واصحاب القهوة والمونة، وترى الناس مسرورين تعلو البشاشة محياهم
يتبادلون عبارات التهنئة فيما بينهم.
وفي هذا
الشهر الفضيل يكثر الناس بالعبادات فتغص الجوامع والمساجد بالمصلين ومنهم التائبين
ممن يعاقرون الشرب طيلة ايام السنة.
فلو
تتبعنا احد ايام رمضان في الموصل فسنلحظ مشاهد ايمانية مهمة وعادات اجتماعية رائعة
وصور متعددة عن كيفية التعامل مع هذا الشهر المبارك.
ففي
الصباح يبطئ اصحاب المهن في النزول الى السوق حتى (الضحى)، فاذا كان رمضان في
الصيف فترى الناس يمضون بعض الاوقات قرب الشط يبللون جسمهم بالغطس بين الحين
والاخر، ويمنع الافطار العلني في الموصل، وغالباً ما ترى افراد الشرطة يقودون بعض
الاشخاص الذين لم يلتزموا بشعائر الصوم الى المركز للمحاسبة والعقوبة.
وفي
النهار تجد اصحاب القهاوي (المقاهي) يهيئون المقهى او الجايخانة وينظفون كل
مستلزماتها مع تحضير دلاء القهوة والنركيلة وتنظيف المقاعد والكراسي (القنبات).
والموصلي يلتزم بقلة الكلام حفاظاً على صومه ومصداقاً لقول الرسول الكريم (صمت
الصائم تسابيح). ومع ذلك ترى من تفلت اعصابه لابسط الاشياء ويسب ويشتم ثم تتطور
الخلافات بين اثنين او اكثر وتصل الى العراك واسالة الدماء من الرأس او الوجه،
وبعد ذلك يعلنون ندمهم لان الشيطان دخل بينهم او افسد صومهم.
وترى
الاطفال يمارسون العابهم المتنوعة مثل (الاكعيب) ولعبة الاختفاء وغيرها وقبل
الافطار يصعد الاطفال الى اسطح المنازل لسماع صوت المدفع، وقبل وصول الكهرباء الى
الموصل كان المؤذن يصعد الى المنارة ويرفع بيده العلم الاخضر والفانوس ايذاناً
بحلول موعد الافطار مع رفع الاذان، فتزدان منائر المساجد والجوامع والقباب
بالفوانيس الى جانب وجودها في الطرقات العامة (العوجات) ففي تلك اللحظات يعم
السكون في المدينة فالكل اوى الى منزله لتناول الافطار مصداقاً لقول الرسول الكريم
"للصائم فرحتان الاولى عند الافطار والثانية عند لقاء ربه"، ومائدة
الافطار عامرة بما لذ وطاب من اللحوم والارز والبرغل (والكبب) وشوربة العدس و
(القيسي) وشربت الزبيب واللبن. هذا بالنسبة للعوائل الموسرة، اما العوائل الكادحة
فبعض من ذلك، غير ان الاهالي يكرمون الضعفاء باخراج الطعام على روح موتاهم فلا
يوجد بيت الا و قد تنوعت سفرته بأنواع الطعام! وحتى في المساجد فالسفرة عامرة
للغرباء والمساكين وعابري السبيل.
وبعدها
يبدأ مساء يوم رمضان، فينطلق الرجال والصبيان الى المساجد والجوامع لتأدية صلاة
العشاء والتراويح وتكتظ المساجد بهم واذا ما انقضت الصلاة. انطلق الرجال الى (الجايخانات)فيجلسون
على شكل جماعات او زرافات كل حسب جماعته ومهنته وصنفه يتجاذبون اطراف الحديث، او
يمارسون بعض الالعاب كالنرد (الطاولي) وثم (الدومينة) بعد ذلك وهم يحتسون القهوة
ثم الشاي مع تناولهم للنركيلة والسكاير فترى الجايخانة قد غطيت بسحب من الدخان.
وغالباً
ما يمارس مجموعة من الشباب لعبة (الفر) وهي صينية تحوي على (11) فنجاناً ويخبئ في
داخل احدى الفناجين المقلوبة (المحبس) ويتقابل فريقان من المحلات المتقاربة وتكون
اللعبة من (100) نقطة والخاسر يوزع اما البقلاوة او الزلابية ونحو ذلك، ويكون
اللعب بالتعاقب بين المحلات السكنية مع الفريق الفائز، ويستمر الجلوس في القهوة
حتى وقت السحور. ويحلو للبعض ان يذهب الى الباجه جي من اجل تناول السحور قبل
العودة الى البيت، حيث تبقى تلك المحلات تقدم وجبة السحور حتى قبيل اذان الفجر.
وفي
المساء ترى بعض اصحاب المهن يعاودون العمل في محلاتهم وبخاصة الخياطون
و(القوندرجية) والنجارون وكذلك الحلاقون وذلك لزخم العمل عليهم في شهر رمضان،
لتعويض قلة عملهم في النهار وهم صائمون فيبقون حتى اوقات السحور. وفي السحور هناك
مسحراتي لكل محلة يدور فيها وهو ينادي (اقعدوا عل السحور) وفي نهاية رمضان الكريم
يكرم من قبل اهالي المحلة ببعض المبالغ من المال.
ولبعض
شخصيات الموصل ووجهائها مجالسهم الخاصة التي تعقد بعد صلاة التراويح، الذين
يتجمعون فيها ويتناولون اطراف الحديث وفناجين القهوة تدار فيما بينهم مع لفائف
التبغ والسكائر.
كما تقوم
العوائل الموصلية بالتزاور فيما بينها، وقبل الفطور تنصب الولائم او بعد الافطار
(يتمسون) عند الاقارب او الجيران. كما ان الاطفال يدورون على البيوتات في المحلة
وهم ينشدون (يالعايدة يالعايدة او ما جينا يا ما جينا..) فأما يكرموهم ببعض المال
او يطردوهم برشهم بالماء!.
واذا ما
حلت العشر الاواخر من رمضان يجّد اهالي الموصل بأنواع العبادات، كإخراج الصدقات
وكذلك الفطرة وزيادة ترتيل القرآن وختمه، وترى الناس في الاسواق في هرج ومرج لدى
الخياطون و (القوندرجية) واصحاب الحلوى وغيرهم للتهيئة لاستقبال عيد الفطر
المبارك.
وعند
الاسبوع الاخير من رمضان يبدأ المؤذنون بتوديع شهر رمضان من على المنائر في
المساجد والجوامع بعبارات (الوداع الوداع شهغ رمضان شهغ الطاعة والغفران..) وغيرها
من العبارات، واذا ما تحروا ميلاد هلال شهر شوال، ايضاً يذهبون الى المحكمة ويطلق
المدفع عياراته والذي كان مع كل وقت للصلاة يطلق عياراته طيلة شهر رمضان.
وفي ليلة
العيد يذهب اغلب الناس الى الحلاق وكذلك تزدحم الحمامات الشعبية بروادها حتى ساعة
الفجرفهم مسرورون بما آتاهم ربهم وأثابهم على صيامهم وقيامهم وصلاتهم وصدقاتهم في
شهر رمضان شهر المغفرة والرحمة (فأوله رحمة وأوسطه مغفرة وأخره عتق من النار) كما
قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
هذه مشاهد
بعجالة بما يسمح به حدود الموضوع، متذرعين للباري عز وجل ان يتقبل صيامكم وقيامكم
وان يعود بالخير والبركة والامان على البلاد والعباد وان تبقى الموصل محافظة على
تراثها البهي انه نعم المولى والمجيب.

