المغترب الموصلي الدكتور أكرم نجيب كفاءة طبية نادرة

 


المغترب الموصلي الدكتور أكرم نجيب
كفاءة طبية نادرة




                                                                         الدكتور ذنون الطائي

لا خلاف بأن الموصل مرتع للعقول العلمية النيرة على امتداد تاريخها الوضاء ، والمتصفح لتاريخها المجيد يُسر بسير الرجال الأفذاذ من الأدباء والعلماء والمؤرخين ، فكم من الكفاءات العلمية قد غادرت مدينتنا لظرف ما ، وسطع نجمها في أوربا وأمريكا بفعل الإمكانيات الفكرية والعقلية التي يتميز بها رجالات الموصل الأكفاء ، وفي المجالات المتعددة الأكاديمية والطبية والعلمية والفنية والأدبية . فحسبي إن مدينة الموصل درة الشرق والعراق وهي المعطاءة على الدوام . وفي هذا الإطار أود أن أقدم أحدى كفاءات الموصل العلمية في إسهاماته الرائدة وهو طبيب مغترب عراقي موصلي في الولايات المتحدة منذ ما يزيد عن الأربعة عقود عن الوطن ، غير أن قلبه ما يزال ينبض حباً وشوقاً لمدينة الموصل كما عبر عن ذلك ، وهو الدكتور أكرم نجيب . الذي ولد في مدينة الموصل في شهر أيلول من سنة 1931 وترعرع فيها ودخل مدرسة النجاح الابتدائية ثم المثنى المتوسطة وبعدها الإعدادية القسم العلمي . وتخرج من الإعدادية بدرجات عالية أهلته لتقديم أوراقه إلى ثلاثة اتجاهات هي : كلية الهندسة والبعثات الدراسية وكلية الطب في بغداد وقد قبل فيهم جميعاً .

ففضل كلية الطب ودخلها سنة 1948 وكان عدد الطلاب المقبولين في المرحلة الأولى مائة وخمسون طالباً . وقد تخرج في كلية الطب في سنة 1954 وكان عدد المتخرجين 27 طالب فقط من دفعة المائة والخمسين .

وكان هو من الخريجين الخمسة الأوائل فيها . فدخل دورة ضباط الاحتياط ومنح رتبة ملازم في الجيش العراقي وقضى في العسكرية ما يقارب سنة وأربعة أشهر في معسكر جلولاء في لواء ديالى .

وعند انتهاء خدمته العسكرية طلبت وزارة الصحة من الأطباء الخريجين معه الحضور إلى مبنى وزارة الصحة لتوزيعهم على المستشفيات في شهر أيلول من سنة 1956 وكانت العادة إن العشرة الأوائل من كل دورة يعينون في المستشفى التعليمي في كلية طب بغداد لأجل أن يدرب هؤلاء الأطباء على الاختصاص وإرسالهم ببعثات للخارج . وكان الدكتور أكرم نجيب أحد هؤلاء وعين في مستشفى وكلية الطب في بغداد ، ولكن حبه لمدينة الموصل جعله يرفض التعيين في بغداد ويطلب الرجوع إلى الموصل وكان أول طبيب مقيم في الجراحة في الموصل حينذاك . وهنا يقول ( لم يكن التدريس والتدريب في مستشفى الموصل كما كان متوقع ) ولكن رغم ذلك كان يدرس ويحضر نفسه للاختصاص والحصول على الشهادات العالية ومع ذلك نقل من مستشفى الموصل إلى زاخو قبل أن تنتهي مدة التدريب ورغم استمرار زملائه في الإقامة ببغداد ، وقد حاول الاتصال بوزير الصحة ليبين له أن نقله قبل انتهاء الدورة غير مناسب لكن الوزارة أصرت على النقل . فذهب إلى زاخو في أوائل سنة 1958 وداوم هناك وكان الطبيب الوحيد . وخلال وجوده في زاخو كان يراسل الجامعات والمستشفيات الأمريكية وفي شهر نيسان سنة 1958  حصل على قبول من ولاية أوهايو وسر به وأخذ القبول وذهب إلى القنصلية الأمريكية في كركوك حيث كانت أخته تعيش مع زوجها الحاكم السيد أمين الحيدري وحصل على سمة الدخول إلى أمريكا . ثم عاد إلى زاخو واشتغل لمدة شهر وبعدها تمتع بإجازة اعتيادية وسافر إلى الولايات المتحدة .

وهكذا بدأ التدريب في الولايات المتحدة في الأول من شهر تموز 1958 في الجراحة العامة  وبعد اربعة سنوات انهى التدريب والدراسة وحصل على البورد الأمريكي . وفي تموز 1962 بدأ التدريب والاختصاص والدراسة في جراحة القلب والرئة والأوعية الدموية في ولاية كارولينا الشمالية وأنهى الاختصاص في سنتين أي في سنة 1964 . وحصل على البورد الأمريكي في جراحة القلب والرئتين وبعد حصوله على الشهادة الثانية أشتغل كمدرس ثم أستاذ في كلية الطب في مدينة شارلستون في ولاية كارولينا الجنوبية ولمدة سنتين من آب 1964 . وخلال تدريسه والقيام بتدريب الطلاب والأطباء كان يفكر وبصورة متواصلة في الموصل حيث لا يوجد طبيب باختصاصه يساعد المرضى ، فقدم استقالته من الكلية ورجع إلى الموصل في كانون الثاني 1966 .

وقبل أن يبدأ عمله في الموصل يذكر أثناء تدريبه وعمله في أمريكا قام بعمليات كبيرة وصعبة لدرجة أن اسمه كان يذكر في الجرائد المحلية . وهنا يذكر حادثة لطفل بعمر 12 سنة أصيب بطعنة في قلبه وقد فقد جميع علائم الحياة وكان بالصدفة في غرفة الطوارئ فأجرى له عملية ابتدائية في غرفة الطوارئ وبعدها نقله إلى غرفة العمليات ليقوم بإنهاء العملية على القلب وإعادة الحياة له مرة ثانية . وقد نشرت هذا النبأ جريدة شارلوت حيث وضعت صورته على الصفحة الأولى وكان العنوان (طبيب عراقي ينقذ حياة طفل ) . كان يتوقع من السفارة العراقية أو الحكومة العراقية أن تستفيد من هذا الخبر لأجل الدعاية للعراق ومع الأسف لم يحدث أي شيء من هذا القبيل . وعلى أية حال هناك حالات مشابهة وسينشرها في كتابه الذي يعده الآن عن العمليات التي قام بها خلال اشتغاله في أمريكا .

ويذكر الدكتور أكرم نجيب انه منذ وصوله إلى أمريكا دخل في عدة امتحانات وحصل على شهادات عدة وكانت الأولى سنة 1959 حين حصل على درجة MD الأمريكي ثم حصل على شهادات الاشتغال في كل من ولاية فيرجينيا وأوهايو وكاليفورنيا و ميريلاند والعاصمة واشنطن ، ثم حصلت على شهادة ( FACS زميل في كلية الجراحين الأمريكية FACC ) وهو زميل في كلية أطباء القلب الأمريكية . وهو أيضاً عضو في جمعية الصدر الأمريكية وجمعية الأطباء في ولاية أوهايو وفرجينيا .

كتب عدة مقالات علمية نشرت في المجلات الطبية ومن أشهر هذه المقالات بعنوان ( هل يتمكن الإنسان أن يعيش بدون الجهة اليمنى من القلب ؟ ) . ونتيجة لحنينه للوطن والأهل ولخدمة أبناء جلدته قرر الرجوع إلى الموصل لأجل تشكيل قسم لجراحة القلب وبعد وصوله للعراق قدم أوراقه لوزارة الصحة يطلب تعيينه في الموصل مع العلم أن بغداد كانت بحاجة إلى جراح قلب ثاني ليعمل مع المرحوم الدكتور يوسف النعمان . ويذكر عند التحاقه بمستشفى الموصل وكان الوقت في أوائل شهر شباط من سنة 1966 وللمجاملة ذهب ليقابل عميد كلية الطب المرحوم طارق حمدي الذي أستقبل من قبله بالسؤال ماذا سأعمل فيك إذ لا يوجد عندنا أجهزة ووسائل لعمليات القلب . وكان جوابه أني جئت الى الموصل لتشكيل قسم لعمليات القلب .

بدأ الدوام في المستشفى وأخذ بتدريس الطلاب وإجراء عمليات بسيطة على القلب والرئتين ، وفي هذا الأثناء اتصل بالمسؤولين في وزارة الصحة يطلب الموافقة على إنشاء قسم لجراحة القلب في الموصل فكان الجواب بأنه لا يوجد مخصصات في الوقت الحاضر ولا نعرف متى سيتوفر المال للقيام بهذا المشروع . أتصل بعدها بمؤسسة كولبنكيان التي كان لها فرع في بغداد وقدم أوراقه لهم وطلب مساعدته في إنشاء قسم لجراحة القلب في الموصل . فوافقت هذه المؤسسة على ذلك المشروع الخيري وأرسلوا مبلغ ثلاثين ألف دينار لتنفيذ وضع الخرائط و التصاميم وإرسالها لهم بعد موافقة جامعة الموصل .

وبهذا الصد يقول الدكتور أكرم نجيب : (( فقمت بوضع الخرائط الابتدائية والتصميم وذهبت الى جامعة الموصل حيث رحب بها رئيس الجامعة الراحل الدكتور نجيب خروفة وشجع المشروع ولكن مع الأسف نقل الراحل الدكتور خروفة الى بغداد بعد أسبوع من تقديم المشروع له وبعده رفض الطلب )) وكان الوقت في شهر أيار 1967 هنا قرر ترك العراق والعودة إلى الولايات المتحدة .

وكان يمكن أن تكون الموصل مركزاً لجراحة القلب في الشرق الأوسط ثم رجع إلى الولايات المتحدة في شهر آب سنة 1967 وكانت الأبواب مفتوحة أمامه للعمل ، فأصبح أستاذ جراحة وعميد مشارك في كلية الطب وحصل على عدة جوائز ، وكانأول جراح عربي ( ليس فقط عراقي ) يجري عملية CORONORY BY PASS وتقاعد سنة 1992 لأسباب صحية توفي عام2021 . وأخيراً يقول : (( وكم كنت أتمنى لو كانت هذه الحياة جميعها في الموصل )).   


تعليقات