داود الجلبي: ودعواته لتشكيل الحكومات وفق المسار الديمقراطي والدستوري

 


داود الجلبي: ودعواته لتشكيل الحكومات وفق المسار الديمقراطي والدستوري

 

 

 

داود الجلبي: ودعواته لتشكيل الحكومات وفق المسار الديمقراطي والدستوري

 

 

 

 

 


هو داود بن سليم بن احمد بن محمد الجلبي، كان جده الاعلى مسيحياً فاسلم وكان يتعاطى مهنة الطب ولد داود في الموصل في سنة 1879م بدا حياته الدراسية في كتاتيب الموصل وفقاً للعادة فتعلم مبادى القراءة والكتابة وقرا القرآن الكريم، فلما ختمه، نقل الى مدرسة الاباء الدومنيكان وكانت مدة الدراسة فيها خمس سنوات. وبعد تخرجه منها، دخل المدرسة الاعدادية الملكية في الموصل ونظراً لذكائه وتفوقه فقد قبل بالصف الثالث مباشرة. وبعد تخرجه منها سافر الى اسطنبول سنة 1899م لتكملة دراسته، فدخل المدرسة الاعدادية الطبية العسكرية. وانتهى منها الى القسم العالي من "المدرسة الطبية العسكرية".

قضى في العاصمة العثمانية قرابة عشر سنوات. وقد شاهد وقائع الانقلاب العثماني سنة 1908م. الذي ترك اثراً عميقاً في افكاره وعواطفه، واجتاز اخر امتحان لنيل درجة الدكتوراه في 26 نيسان سنة 1909م، يوم جلوس السلطان محمد رشاد (1909-1918م) على عرش الدولة.

وبعد تخرجه شعر باندفاع الى ميدان البناء الوطني بعد ان عاش فترة تحسس في العاصمة العثمانية. وشهد انهيار "الجامعة العثمانية" تحت تأثير الحركات القومية والعلمانية، وقد تلمس في تلك العاصمة بعد الثقة بين مقام الحاكم من المحكوم وادرك ان امراض الشرق العثماني العديدة ناشئة من ضعف سلطان العلم على شعوب تلك السلطنة، وان العلم قوة والقوة حياة وما نصيب الامة الجاهلة الا الفناء، وكان الشرق العثماني المتخبط في فوضاه لايستطيع ان يلحق بركب امم الغرب.

بعد حصوله على الشهادة العليا، عاد الى الموصل فعين طبيباً في الجيش. وعمل  في بعض الوحدات العسكرية بالموصل وفي ذات الوقت قام بتدريس مادة التاريخ والجغرافية وعلم الحيوان في مدارس الموصل. اذ لم تكن الوظيفة حائلة دون ميول الجلبي في طلب العلم. فانكب على قراءة تاريخ الاقدمين واولع بدراسة الحضارة الشرقية وآدابها ولعاً شديداً، ونقب عن حضارات الشرق القريب. فاستعذبت روحه الاغراق في مخلفات الاسلاف. وكان ينعش عقول تلاميذه في المدرسة الاعدادية بالمعلومات التاريخية العلمية، فهو لايهتم في حوادث التاريخ والنسق والترتيب، وانما يجعل من الحدث الصغير حلبة تفسح لعقل الطالب ان يجول بحريته، يحلل الحادثة على حقيقتها. ويصف احد تلامذته ومعاصريه، اثار طريقة تناوله للموضوع بقوله: "وعندئذ يترك لعقولنا المجال نستنبط النتائج مقرونة بعواملها في حالتي السلب والايجاب، لقد كنا نهابه ونحترمه ونتوق لساعة درسه"

واهتم الجلبي بالتراث العربي، وتضلع في علوم اللغة العربية الى جانب اجادته بعض اللغات كالتركية والفرنسية والالمانية والسريانية اجادة تامة، فضلاً عن قراءاته في اللغات الانكليزية والعبرية واليونانية واللاتينية والايطالية.

لقد خدم الجلبي في الجيش العثماني حتى نهاية الحرب العالمية الاولى وكانت ميوله القومية واضحة وقد تعامل مع العسكريين ذوي النزعة القومية، وفي سنة 1915م، التقى مع مولود مخلص في منطقة "الشعيبة" وكان مولود مخلص حانقاً على الاتراك مندفعاً نحو العروبة والمطالبة بحقوق قومه. وقد تحدث الى الجلبي، معبراً عن تذمره بقوله: "نحن العرب مضطهدين ومحتقرين من قبل الاتراك، الا تسمع انين الجرحى العرب من شدة الالام وهم اكثر عدداً من المصابين الاتراك وان الاتراك يولون اهتماماً بجرحاهم الاتراك اكثر من اهتمامهم بالمصابين العرب..". وقد حرضه الاخير على الانضمام الى ثورة الشريف حسين في الحجاز، وقد وافق الجلبي على الفكرة الا انه اعدل عنها خشية اساءة الاتراك الى اهله.

سعى داود الجلبي مع المثقفين في الموصل لتأسيس "النادي العلمي" سنة 1918م كمركز للنشاط السياسي ضد السلطات البريطانية، وانتخب رئيساً لهذا النادي. عام 1919 م وبعد تاسيس الحكم الوطني عين طبيباً اولاً للمنطقة الشمالية. ولما التأم المجلس التاسيسي. وهو اول مجلس دعته الامة ليقرر دستورها ويبت في مشاكلها. انتخب الجلبي نائباً عن الموصل، كما كانت الادارة الملكية في حاجة الى رجل ينظم شؤون الصحة العامة في الدولة فنقل بالاستعارة الى مديرية الصحة العامة.

وقرر الجلبي ضرورة  ان يسيح في دول اوربا لكي يطلع على آخر التطورات العمرانية ووسائل الرقي، مستهدفاً ايضاً ضمن منهاجه: الاطلاع على آثار الشرق الاسلامي في مكتبات الغرب ومتاحفه، والاتصال بالمستشرقين والاستفادة من ارائهم. ورؤية الحياة الاجتماعية في الغرب والوقوف على درجة التقدم العمراني والصناعي، فكان لسياحته اثر بالغ في فكره ومنهاجه  والجلبي حر التفكير وتقدمي في طرح افكاره وجرىء في الدفاع عنها. بشكل ديمقراطي منطلقاً من كون: "ليس في العراق احزاب سياسية يمثلها زعماء يتكلمون بلسان فرق من الامة تمثل الامة جمعاء، فكل كلمة انما تذهب على حساب قائلها فقط حتى ياتي دور التمثيل"ويمضي الجلبي في التعبير عما يراه مناسباً في تأسيس كيان الدولة وانشاء الحكومات فيقول: "ان لتاسيس الحكومات نظاماً مشت على نبراسه الامم الراقية، فاهتدت الى سبيل النجاح وكان ذاك عفو الساعة وبديهة الوقت كما يبدي احدنا رايه، بل هو سجل حقائق محصتها الاراء وقررتها التجارب.. الا ان ذلك النظام قد منع الفوضى ومنح الفرد حقه في مثل مانحن فيه على لسان ممثلي الامة ندوة التأسيس، ليصان حق الفرد ويتجلى معنى الحكم الذاتي بأوضح معانيه".  ويسترسل الجلبي في بيان تصوراته حول مهام "المجلس التاسيس" فيقول: "فتقرير شكل الحكومة ثم تعيين شخص الملك وما ضاهي ذلك من وظائف رجال التاسيس الذين يستمدون من روح الامة وينطقون بلسانه بصورة مشروعة ووجه قانوني"، حتى دعا اولئك الذين يناقشون من سيكون ملك على العراق، الكف عن ذلك لحين انعقاد المجلس المختص بذلك وهو المجلس التاسيسي وعبر عن ذلك بقوله: "التزمير بشخص الملك فرع عن تقرير شكل الحكومة وتقرير شكل الحكومة فرع عن انعقاد ندوة التاسيس وندوة التاسيس في الطلب حتى الان.. هل من الحكمة تخطى الاصول الى الفروع".

والجدير بالذكر انه في احدى جلسات مناقشة دستور المملكة العراقية، تحفظ الجلبي حول بعض النقاط الواردة في صلاحيات "الملك" ودعا الجلبي الى ممارسة الحياة الديمقراطية والى صيانة حقوق الفرد عن طريق سن دستور للبلاد، فهو يقول: "عندي ان الفرح يبقي ناقصاً اذا لم يصبح كل فرد منا ملكاً، واعنى بذلك ان يكون للملة "دستور" يصان بموجبه حقوق الفرد من كل تعرض، فاول واجب يترتب علينا هو الاهتمام بانتخاب رجال اكفاء ذوي ضمير طاهر.. ليكونوا اعضاء في المجلس التأسيسي المنوي عقدة قريباً..".

ودعا الجلبي الى الاستقلال الناجز للعراق في كافة الوجوه والى ضرورة حشد كل الامكانات والطاقات في سبيل تحقيق هذا الهدف الوطني "فهو يرى، ان الاستقلال التام لايحصل الا اذا اضحى العراق مستقلاً برجاله الاداريين والسياسيين ومستقلاً بماليته ووسائط دفاعه ومستقلاً بصناعته وزراعته وتجارته وبعلومه وفنونه وبمعامله، ينتج كل ماتنقصه الحياة المدنية العصرية، ويرى ايضاً ان وسائل تحقيق هذا الاستقلال والمحافظة عليه تكمن في: "ان يؤدي كل فرد واجبه كما يلزم، فعلى الحاكم ان يحكم بالعدل وعلى الرعية ان تؤدي الرسوم والضرائب وعلى الصانع ان يرقى بصناعته وعلى المزارع ان يتعلم ويطبق احدث طرق الزراعة وعلى التاجر ان يوسع تجارته وعلى الاباء ان يعتنوا بتربية ابناءهم وعلى ارباب العلوم والفنون ان لايرضوا بالبقاء دون اندادهم الغربيين" واوضح ان للصحافة الحرة دوراً مهماً في الحفاظ على الاستقلال التام بوساطة انارة طريق الشعب وتوجيه النقد البناء. ان خطاباته في مجلس النواب العراقي تشهد له ببعد نظره وقوة ثقافته السياسية. وقد جاء في احدى خطبه وهو يجادل النواب بان لايكتبوا شيئاً بنقطة حبر تكلف الاجيال القادمة بحراً من الدماء.

ويعد داود الجلبي طبيباً ولغوياً ومؤرخاً، ومحققاً وفيلسوفاً فقد اولى عناية بالغة في فهرسته التراث العربي بالموصل، وبذل جهوداً مضنية في سبيل الحفاظ عليه من خلال جمعه للمخطوطات العربية وتحقيق البعض منها خدمة لتراثنا العربي، وهو اول من عرف بمخطوطات الموصل ووجه القوم الى العناية بها ولما كانت مدارس الموصل الدينية تحتوي على الالاف من الكتب المخطوطة ولم يطلع احد من الباحثين عليها. ومن بينها مالا نظير له في دور الكتب والمتاحف ومنها ماندر وجوده، فقد رغب الجلبي في التعريف على مكنونات هذه الخزائن، فطاف المدارس كلها وتصفح كتبها مدققاً اسماءها واسماء مؤلفيها ومواضيعها مع ذكر اسم الناسخ وتاريخ النسخة وبيان صفتها من كمال او نقصان وجودة الخط او ردائته ونوع الجلد او الورق وعدد الصفحات وبعد ان فرغ من مدارس الموصل توجه نحو مدارس الاقضية والنواحي فاتصل بمن سمع لديه كتباً مخطوطة وتعامل معها مثل سابقتها، وقد كابد صعوبات جمة من اجل انجاز هذا العمل الذي استغرق منه سنين طويلة حتى انجزه سنة 1923 وطبع ببغداد سنة 1927.

وامتاز الجلبي بتضلعه بعلم الطب وبدقة تشخيصه للمرض حتى غلبت عليه شهرة "الطبيب النطاسي" وكان يفضل الاستعانة بالاعشاب على الادوية الجاهزة، وقد رويت احاديث عديدة عن براعته في مهنته، وقد عاد مرضى ذهبوا الى اوربا للعلاج واستغرب الاطباء هناك قدومهم اليهم. وفي بلدهم طبيب مثل داؤد الجلبي، وكان يوصى دائماً بممارسة رياضة المشي وعدم ارتداء الملابس الثقيلة في الشتاء والاكل عند الجوع فقط،وتجنب الدهنيات والنشويات والاكثار من اكل الخضروات وبخاصة الثوم ونو م البصرة.

جمع الجلبي عدداً كبيراً من المؤلفات الطبية القديمة، ولم تزل في خزانته في مكتبة الاوقاف بالموصل، الى جانب ماورثه عن اجداده من كتب مخطوطة ومطبوعة، وكان يشتري من المزاد الذي كان يقام بجامع الخاتون بالموصل صباح كل يوم ثلاثاء، وجمعة، فيتصفح الكتب ويختار منها كل نادر وثمين.

وله عدداً من المؤلفات وهي:

1-    "اصلاح حروف داير مجلس مبعوثانه لايحة" في التركية، طبع في اسطنبول سنة 1909م. ابدي رأيه في تبديل الحروف العربية بالحروف اللاتينية وفي سنة 1944م. قدم اقتراحاً حول هذا الموضوع في العربية.

2-    فهرسة "مخطوطات الموصل" طبع في بغداد سنة 1927.

3-    تحقيق كتاب "الطبيخ" لمحمد بن الحسن البغدادي المتوفي سنة 537هـ. طبع سنة 1934.

4-    كتاب "الاثار الارامية في لغة الموصل العامية" طبع سنة 1935.

5-    ترجم كتاب "الفنديدات" عن الفرنسية، وطبع في بغداد سنة 1952.

6-    "كلمات فارسية مستعملة في عامية الموصل وفي انحاء العراق تليها كلمات كردية وهندية" طبع في بغداد سنة 1960.

7-    اختصر كتاب "الاثار الجلية في الحوادث الارضية" لياسين بن خيرالله الخطيب العمري واسماه "زبدة الاثار الجلية في الحوادث الارضية" حققه ونشره د. عماد عبدالسلام رؤوف سنة 1947.

8-    "الموصل اربع محاضرات تاريخية" (داود الجلبي واخرون) طبع في الموصل سنة 1949م. فضلاً عن عدد من المقالات والابحاث في امهات المجلات العربية وفي مواضيع شتى.

 


تعليقات