محمد حبيب العبيدي: داعية النهضة الوطنية والوحدة الإسلامية

 


محمد حبيب العبيدي: داعية النهضة الوطنية والوحدة الإسلامية

 

 

محمد حبيب العبيدي: داعية النهضة الوطنية والوحدة الإسلامية

 

 

 

 

 

 

 

 


ولد محمد حبيب بن السيد سلمان العبيدي في الموصل سنة 1880م. وتلقى تعليمه في المدرسة الرشدية العثمانية، ولما اكمل الدراسة فيها،احضر له والده (ملا علي الحصيري) احد علماء الموصل ذائعي الصيت، لتدريسه مع شقيقه حسيب، فأتم حبيب الدراسة بفترة وجيزة لشدة ذكائه، فانتقل لتكملة دراسته على السيد احمد الفخري، وفي سن الثامنة عشر من عمره اتم الدراسة في العلوم الدينية الشرعية، وحصل على الاجازة العلمية في المذهب الحنفي، فأصطف الى جانب العلماء، وقد ولع بالادب وقرض الشعر منذ حداثة سنه، واخذ يثقف نفسه ويقرأ كتب السير والتاريخ ويطلع على الصحف والمجلات التي تفد الموصل من الخارج. حتى غدا باحثاً في علوم الدين والاجتماع قادرا على التحليل وربط الاحداث فيما بينها، وهو قليل التعصب في ارائه ومعتقداته. ولما يزل في نهاية العقد الثاني من عمره، شغل فكره بما حاق الامة العربية والمسلمين من انحطاط واخذ يبحث عن العلل ويتطلع الى بوادر النهضة العربية والقومية فاتصل بزعماء النهضة العربية وتدارس الامر معهم فانشا كتابه الاول سنة 1913م: "خطبة نادي الشرق" المكون من (17) خطبة موجه الى المسلمين في البلدان الاسلامية كافة في اسيا والهند وفارس والافغان وافريقيا، خاطب كل منهم في خطبة في الوقت الذي لا يعرف الكثير من الناس شيئاً عن تلك البلدان.

كان العبيدي مؤيداً للدولة العثمانية في مطلع شبابه بحكم نشاته الدينية وحبه للاسلام، ولما حدثت الثورة سنة 1908 م تاثر عدد من المثقفين بها، وقد ايد العبيدي هذه الثورة وانحى باللائمة على السلطان عبدالحميد الثاني محملاً اياه مسؤولية ماحدث في البلاد العثمانية من تاخر وانحطاط الا انه لم ينس عروبته وحقوق امته عليه، وقد تلاقحت فكرتا العروبة والاسلام في افكاره وكان لاسفاره المتواصلة الى البلدان العربية والاسلامية اثر في بلورة فكره، ففي سنة 1910م سافر الى مصر واعقبها سنة 1911م بسفره الى بيروت وفي نفس السنة سافر الى اسطنبول، ولدى عودته الى الموصل سنة 1912م ازداد نشاطه في القاء الخطب بشكل ملحوظ والتي تناولت اوضاع العرب والمسلمين في انحاء البلاد العثمانية كافة. وقد استدل من خلال اسفاره ان المسلم بحاجة الى العديد من ضروب التربية "فتعوزه التربية العلمية والتربية الاجتماعية والاقتصادية والوطنية والملّية والاخلاقية والدينية" ويرى العبيدي ان تقصير المسلم في احدى اوجه هذه التربية يعتبر ظالماً لنفسه.

وكان للعبيدي مكانته لدى رجال الحكم والعاملين في الحقل القومي، ففي اثناء وجوده في اسطنبول اتصل، باعضاء المنتدى الادبي الذي عد ماوى للاحرار العرب. وحينما اعلنت الحرب الاولى "سافر الى بيروت واتصل بجمال باشا الشهير "بالسفاح" محاولاً اقناعه بان هذه الحرب لاتفيد المسلمين. وان الحرب الحقيقية ينبغي. ان تكون لانقاذ المسلمين من ربقة الاستعمار والامتيازات المفروضة ومكافحة النشاط التبشيري. فأختير العبيدي مفتياً للدولة ممثلاً عن بلاد العراق مع وفد من المفتيين للبلاد السورية لمواجهة انور باشا. رئيس الدولة، وقاموا بالفعل باداء المهمة الموكلة اليهم. ويبدو انها لم تسفر عن شيء. وفي ذات الوقت انجز العبيدي كتابه "جنايات الانكليز" حيث شرع بفضح اساليب الانكليز وابراز اطماعهم حتى اخذ الجواسيس الموالين للغرب يجمعون نسخة لكي لايطلع عليه القراء. وفي سنة 1917 م كان العبيدي في بيروت فاعتقل من قبل الانكليز ورحل الى مصر وبقي في الاسر حتى سنة 1919م حيث افرج عنه وعاد الى العراق. وانتخب نائباً عن الموصل بعد تاسيس الحكم الوطني، ثم عين مفتياً للموصل سنة 1936م وبقي في هذا المنصب حتى توفاه الله سنة 1960م.

وانطلاقاً من تحمسه لدينه الاسلامي فقد ايد فكرة "الجامعة الاسلامية" واعتبر اتحاد المسلمين تحصيل حاصل لواقعهم ومايدعوا اليه الاسلام. وبهذا الصدد يشير الى: "ان فكرة الاتحاد الاسلامي في ظل الخلافة.. امر واقع لانها جزء من الدين.. فمن شك في المسلمين انهم موحدون جاز له الشك في انهم متحدون. فنحن لاندعوهم الى الاتحاد لانه من قبيل تحصيل الحاصل وانما ندعوهم الى الالتفاف الى ذلك".

كما انه دعا الى الوحدة الاسلامية منذ سنة 1910م على ان تكون الجامعة العربية حجر الزاوية في صرح هذه الوحدة حيث قال: فسبحان الذي نظم الاصابع في الكف ثم جعل تلك الكف شلاء. ماخال امة انتظمت في خط جغرافي انتظامكم ياقوم- فاليمن والحجاز ونجد والعراق وسوريا ومصر وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش. ثم ما أخال امة انتثر عقد جامعتها  انتثاركم هذا فهل انتم مستبصرون..".

وادراكاً منه بما آلت اليه احوال العرب والمسلمين من انحطاط. فقد عزم على استنهاض الهمم واستنفار النفوس. واشار الى مواقع الخلل في الجسم العربي والاسلامي واخذ يحلل الاحداث ويربطها بعضها بالبعض الاخر.وظف كتاباته نثراً وشعراً في سبيل النهضة الاسلامية فتراه ياسف لتفشي الجهل وحياة الضياع بين العرب والمسلمين حتى امسوا كالرميم: "طال الامد وبعد العهد. حتى نسى المسلم تاريخ مجده، وجعل العربي تراث ابيه فماتت منهما العواطف ودكت المشاعر والفت نفوسهما الذل والصغار، واصبحوا في المجتمع آلات مسخرة، وجنائز متحركة، احياء كاموات واموات كاحياء"،...

وعلى الرغم من شعور العبيدي بارتباطه مع الدولة العثمانية كاحد رعاياها ولشدة تعلقه بدينه. الا انه لم ينس ارتباطه القومي الذي قد يفوق الرابطة مع الدولة العثمانية. فنجده يتعاطف في بداية الامر مع التطلعات القومية للرجال العاملين في الحقل القومي في الموصل، فحينما وفد سليمان فيضي الى الموصل بمهمة قومية سنة 1913م كان العبيدي يأوي اولئـك الاحرار في داره يجتمعون ويناقشون قضايا أمتهم.

وحينما احتل العراق من قبل القوات البريطانية، وقف العبيدي ضد الاحتلال وكانت مواقفه واضحة من خلال ماطرحه في كتابه "جنايات الانكليز" والذي حملهم مسؤولية كل مايحدث في العالم الاسلامي. واكد انهم يضمرون للمسلمين والعرب الشر ويقلبون الحقائق ويعملون على تبديد شمل المسلمين ويعملون على سلبهم الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادبية. ويسعون لافساد اخلاقهم وينهبون ثروات بلادهم ويدسون على الدين الاسلامي بطرق متعددة لافساد عقائدهم. ويتوجه العبيدي مخاطباً المسلمين داعياً اياهم الى ترسم حياة العز والمنعة ورص الصفوف ضد المحتلين حتى  يتحقق الاستقلال: "الستم تعلمون ان لاحق من غير قوة ولا قوة من غير اتحاد فما لكم لاتتحدون، الستم تعلمون (الجماعة رحمة والفرقة عذاب) فما لكم لاتجتمعون.. فاجعلوا رابطتكم حبل الله تعتصمون به اعتصاماً وتتحدون على اسمه اتحاداً وألفوا "جمعية" ذات اصول وفروع في جميع الاقطار الاسلامية.. واجعلوا شعارها (الموت او الاستقلال)..".

ومن اجل تاليب الجماهير على السلطات البريطانية المحتلة اخذ العبيدي ينشأ التجمعات الجماهيرية ويخطب بهم ويلهب قلوبهم واتصل بزعماء الثورة العراقية لما نشبت سنة 1920م فكانت المراسلات قائمة بينه وبين عبد الواحد الحاج سكر احد رجالات الثـورة وكان يرسل القصائد الحماسية للثوار. ولما اعلن الانتداب البريطاني على العراق انتفض العبيدي يستنهض الهمم ويحرض على الثورة ضد سياسة الانتداب البريطاني فقال بهذا الصدد:

 

أضرموا النــار ياسراة العــراق

 

واغسلوا العار بالدم المهراق

ويقول: يارجال العراق لستم عجولاً

 

لتمـــدوا رقابكم للرياق

 

وتطلع العبيدي الى الحياة المدنية، وتمنى ان تحضى بلدته بمظاهر المدنية الحديثة، اذ آلمه انحطاط الاوضاع فيها وحز في نفسه تقدم بقية البلدان التي شاهدها في سياحته. وهو يذكر بما اضحت عليه اليابان من تقدم وتمتعها بوسائل المدنية الحديثة، وتمنى لو ان الامة العربية تحذو حذوها:

 

للعرب  في امة اليابان تذكرة

 

ان كان تنفع قوم العرب ذكرها

 

ويعود ويستصرخ اهل مدينته ان ينهضوا من كبوتهم ويقتفوا اثر الاخرين ويلحقوا بالركب السائر اذ يقول:

 

هب قوم من الرقــاد وقوم

 

ملء اجفانهم يرى الاغناء

 

لو زرعنا الغباء فيك حصدناه

 

ذكاء فايـن ذاك الذكاء

 

 

ويتوجه الى قومه من ابناء العراق ويذكرهم بما كان عليه الاسلاف من مجد وعز وحضارة:

"ياقوم واريد منكم ابناء العراق، ربض الاسود مرتع الغزلان، ديباجة التاريخ، ملعب القرون الاولى مسرح القرون الوسطى، مهد حضارتهـما المأثورة ومدينتها المطمورة.. تذكرك الاعتماد على النفس والاحترام للراي والتعرض لمواقع الصواب، تذكرك، الاستقلال بالارادة والاشتراك في العمل والحرية في القول، تذكرك العلم واياته والادب وبياناتـه والفن ومعجزاتـه، تذكرك فضلاً وافضالاً وحسناً واحساناً وحضارة وعمراناً..".

وهو يرى ان المدنية قد انعكست بظلالها على حياة الامم والشعوب لترقى بها، وان المدنية قد وسعت نطاق الارتباط بين هذه الامم وغدوا كالعائلة الكبيرة ويشكل المسلمون جزءاً كبيراً من هذه العائلة وان بقاءهم عاطلين عن المساهمة في مسيرة البناء الحضاري والانساني هو سبب تقهقرهم وانحطاطهم ويعد خلالاً في حسن انتظام هذه الامم. ويرى العبيدي ايضاً. ان المدنية آتية نحو العرب ولو بعد حين ذلك لان الغرب قد استعار مدنيته من الشرق وان الحكمة في الرجوع الى الاصول لا الى الفروع.

وحينما قامت ايطاليا باعتدائها على طرابلس الغرب، استنكر العبيدي هذا العدوان. ووصف غايات الاستعمار ونظرته للشرق بقوله: "الغربي لايصل للشرقي لسواد عينه او حمرة خده، انما يريده منيحة يستدرها، بهائم مسخرة تعيش كما يريد هؤلاء كما هي تريد، فمتى خف لبنها وشال ضرعها استمتع منها بلحم يغلي في القدر وكبد تشوى على حجر من نار..". وهو يعد الانكليز اشد الاقوام عداوة للمسلمين واكبر ضرر عليهم في جميع الاصقاع ويعبر عن ذلك بقوله: "الانكليز اكثر الامم ضرراً للمسلمين واشد الاقوام عداوة لهم، ولخلافتهم المقدسة، ولدينهم المبين، ثم لهلالهم الممثل لعظمة هاتيك المقدسات".

واولى العبيدي عنايته نحو الارشاد الى العلم والمعرفة وقد عد العلم حياة الامم وان الجهل اساس كل بلاء يصيب الامة اذ ان "الجهل حية رقطاء لاتنفث الا سماً". وربط ظاهرة تفشي الجهل مع تدنى الاخلاق في المجتمع وحث على الرجوع الى اخلاق العرب والمسلمين واتخاذ الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قدوة حسنة في الحياة اذ يقول: "تعوزنا الاخلاق وقوة الايمان" وشدد على اهمية توافق الاخلاق مع العلم بقوله: "قل لمن يريد احياء امة من طريق العلم فاين انت من طريق الاخلاق؟ انما هما طريقان قد اخترت الاسهل منها، وانك لن تبلغ المنزل المقصود حتى تسلكها معاً.

ودعا الى ضرورة الاعتناء بالمراة وتثقيفها فانها حجر الزاوية في بناء المجتمع وهو يقول: "لاتستهن بالمراة فانما يداها كفتا ميزان فيها السعادة والشقاء، انظر الى تلك الانامل الضعيفة في التاريخ كم فتنت امماً وكم دهورت عروشاً من وراء الستار".


 

 


تعليقات