أ.د. ذنون الطائي
يقول كروتشه (التاريخ كله معاصر) و يقال أيضاً:
لا تاريخ بدون وثائق، ووتحتل المذكرات الشخصية فضاءاً واسعاً في الارخنة والتدوين
التاريخي ، وهي تعد من أبرز المصادر المعتمدة الى جانب الوثائق سواءاً منها
المنشورة أم غير المنشورة أم المخطوطة التي تميط اللثام عن الوقائع التاريخية
وتضفي عليها بهاءاً في إطار تفسير الحدث التاريخي. وهذا الحدث لكي يؤرخ فهو بحاجة،
لتسبر أغوار الواقعة التاريخية ومن تلك المصادر: المؤلفات الاصلية والمراجع
والمخطوطات والروايات ويدخل الأدب فيها بالاستشهاد بالأبيات الشعرية، وكذلك كتب
المذكرات الشخصية.
وكتب
المذكرات تحتل جانباً مهماً في تفسير المعطيات التاريخية للعديد من الحوادث والتي
يمكن أن يكون أحد عناصرها كاتب تلك المذكرات، وهو هنا بمثابة شاهد يروي مشاهداته
ومساهماته في إطار روايته للحادثة التاريخية .بعد أن دارت عجلة الزمن دورتها مسرعة
لا تلوي على شيٌ، والمذكرات تتكلم بلسانها وتتحدث عن نفسها وتروي ليس قصة إنسان
معين إنما تروي قصة جيل أو أكثر لحقائق ماضية ،وقد تصف نمطاً من أنماط الحياة، وقد
تفيد باحثاً او مؤرخاً في مضامينها وتفصيلاتها وما أحرانا لفهم دقائقها وما
اختزنته ،بعقل مفتوح وعين مبصرة لسبر أغوارها .وتختلف مبررات كتابة المذكرات من
شخص الى آخر بحسب فهمه لها، وموقعه وعمق ثقافته ومكوناته الفكرية وإتجاهاته الايديولوجية
وطبيعة مشاركته بالآحداث وأصل غاياته منها، وهل يكتب ضمن منهج( فولتير) بتاكيده على
شخصية البطل في صنع الاحداث أم فلسفة (كارل
ماركس) مثلاً في رؤيته للشعوب وصنعها للاحداث
فهذا الكاتب واللغوي والاديب المصري أحمد امين
يقدم لنا فلسفته في مبررات وكيفية كتابة
المذكرات فيقول في مقدمة مذكراته التي أطلق عليها تسمية (حياتي):"على المرء
أن يبذل جهده في تعرف الحق، وتحري الصدق ليبرئ نفسه ويريح ضميره، (لا يكلف الله
نفساً الا وسعها). على ذلك وضعت هذا الكتاب، ولم أذكر فيه كل الحق، ولكني لم أذكر فيه أيضاً الا الحق ،فمن الحق ما يرذل قوله
وتنبو الاذن عن سماعه، وإذا كنا لا نستسيغ عري كل الجسم، فكيف نستسيغ عري كل
النفس؟.. ثم إن الحديث عن النفس –عادة- بغيض ثقيل ،لان حب الانسان نفسه كثيراً ما
يدعوه أن يشوب حديثه بالمديح ولو عن طريق
التواضع أو الايماء أو التلويح ،وفي هذا المديح دلالة على التسامي والتعالي من القائل، ومدعاة
للاشمئزاز والنفور من القارئ والسامع، ولذلك لا يستساغ الحديث عن النفس الا بضروب
من اللباقة، وأفانين من اللياقة". إذن لتكتسب المذكرات مصداقيتها لابد من
تأكيدها على الحقيقة والحقائق وبذلك يقول الاديب عمر فاخوري بهذا ألصدد "
الحقيقة ليست حلوة وليست مرة ،بل لها طعم خاص وهو طعم الحقيقة"
وتاريخنا
العراقي والمحلي الحديث والمعاصر حافل بالعديد من كتب المذكرات التي يروي بها
مدونوها مشاهداتهم وفصولاً من تاريخ حياتهم الحافلة وما إعتورها من عنت أو مواقف
عصيبة أو مساهمات جادة في قضايا قد تكون شائكة في حينها. فنجيب الصائغ السياسي
العراقي المعروف يذكر أسباب تدوين مذكراته المعنونه(من أوراق نجيب الصائغ في
العهدين الملكي والجمهوري1947-1963) بما يلي:
1- وقوف الجيل الناشئ والمثقف والمتعطش الى إلاطلاع على
أوضاع بلده في فترات لم يكن قد عايشها أوعلم بها.
2-تثبيت أمور ووقائع حدثت في أزمان متفرقة ضمن مدة محددة
من تاريخ عراقنا لم تكن معلومة حتى من قبل بعض رجال السياسة الذين عاصروها.
3-إيضاح إجراءات وتصرفات مارسها سياسيون أو مسؤولون خلال
تلك الفترة منها ما تنسجم ومصلحة العراق ومنها ما تسئ الى سمعته.
4-ربما تكون بعض الاحداث بما إنطوت عليه من عوامل ونتائج
عبراً للجيل الحالي، فيجنبه الانزلاق في مثل الامور التي حدثت ويحمله على تقويم
الاحداث التي عززت مكانة العراق وسمعته عربياً ودولياً‘ بصرف النظر عن الجهة التي
مارست تلك الاحداث والعهد الذي تمت فيه.
وإن كتابة المذكرات
هي ليست في- تقديري-حكراً على فئة بعينها من الناس أو الرجال، فمثلاً ليست حكراً
على رجال السياسة والحكم بل تتعداهم الى رجال العلم والادب والفن وحتى أرباب
المهن! فهم
يسجلون من خلالها تفاصيل حوادث بارزة في حياتهم قد تكون
مفصلية لها آثارها في تحويل مسار حياتهم أوجيل كامل يتحمل تبعاتها ردحاً من الزمن
طال أم قصر!.
وكم كانت إفادتنا جمة وعظيمة من كتب المذكرات
التي سطرها، رجالات العراق كل ضمن تخصصه ، منها مثلاً : مذكرات جعفر العسكري
،وأوراق أيامي لطالب مشتاق ،ورحلة في العراق أو خواطر أيامي لعبد الرزاق الحسني
،وأوراق العمر للأديب القاص أنورعبد العزيز، ورحلتي مع ألايام للطبيب عادل البكري،
وذكريات هادي الجاوشلي، ومذكرات المهندس وأمين العاصمة بغداد فخري الفخري وغيرها
الكثير الكثير، فضلا عن المذكرات (المخطوطة) : ومنها المدونات للأمين البلاط الملكي والصحفي خير الدين العمري
ومذكراته (مقدمات ونتائج)و (من المهد الى اللحد). والمربي الفاضل عبد الرحمن صالح
ومذكراته (كتاب العمر)- والمكتبي أحمد النيلة ومذكراته (ما أهمله التاريخ) ،
وسواهم وهي بمثابة صدقة جارية ينهل منها أرباب العلم ودارسيه. يقول الأمام علي بن
أبي طالب (رضي الله عنه):
رأيت
الدنيا مختلفاً يــدور فلا حزن يدوم
ولا سـرور
وقد
بنت الملوك به قصوراً فلم تبق
الملوك ولا القصور
وما أبلغ هذه البلاغة الجميلة في إختصار
رحلة الحياة التي لا يدوم فيها شيء سوى وجه الله تعالى، وحينما يُسأل المرء في
نهاية العمر عن معنى حياته فيجيب، دخلت من باب وخرجت من آخر. ولنا في كل ألأمم
السالفة عضة وعبرة.
فهذه دعوة لكل حامل قلم أن يسطر صفحات و يكتب يومياته
يوماً بآخر، فهي ستكون مذكرات ليوم الغد وذخراً لمن بعده ،يختصر بها حياة حافلة
وكاملة تكون عبرة للآخرين في مرها وحلوها ومواقفها الشديدة والعصيبة وفي عسرها
ويسرها وهي حتماً ستكون مهمه عند الاخرين، كونها تنطوي على دروس ومفاهيم وتجد
حلولاً لمعضلات سابقة وقد تكون لاحقة ، وتختصر عمراً كاملاً في مجموعة من الصفحات
المقروءة. ولذلك قال قائل: من وعى التاريخ في صدره أضاف أعماراً الى عمره.

