يونان عبو اليونان: وطروحاته الليبرالية منذ قرن

 






يونان عبو اليونان: وطروحاته الليبرالية منذ قرن



يعد واحداً من مستنيري مدينة الموصل وداعية للنهوض والاصلاح منذ مطلع القرن العشرين ...

ولد في الموصل سنة 1893م وتلقى تعليمه في مدرسة الاباء الدومنيكان، وهو ابن اخ البطريرك المعروف ايليا عبو اليونان اكمل يونان تحصيله العلمي في اسطنبول ومن ثم في روما حيث درس فيها علم اللاهوت والفلسفة، وهو يجيد الفرنسية والانكليزية والتركية الى جانب العربية. وبعد عودته من الدراسة في الخارج عين معلماً لتدريس مادتي الكيمياء والتاريخ في مكتب الكلدان  الاعدادي. كما كان يلقي دروس التاريخ الاوربي في مدرسة "السمنير". وفي عهد الاحتلال البريطاني. شغل رئاسة تحرير جريدة "الموصل" الرسمية سنة 1918م وعين مديراً لمطبعة الحكومة في الموصل، وبعد تأسيس الحكم الوطني شغل عدة وظائف منها، تدريس اللغة الفرنسية في كلية الحقوق في بغداد. كما اهتم بالنشر والتأليف. ومن مؤلفاته: "دليل المصايف العراقية" وقد توفي سنة 1978م ودفن في الموصل.

عرف عن يونان اهتمامه بفكرة الاصلاح والتجديد وقد ناقش على صفحات جريدة "الموصل" المستلزمات الكفيلة بعملية البناء والنهوض، وبناء الدولة العراقية الحديثة وبخاصة في المراحل الاولى من تأسيس الحكم الوطني.

وانطلق يونان في مناقشاته وطرح افكاره من ايمانه بان تكون "حرية الفكر" منزهة عن كل نفوذ خارجي او غرض ذاتي من شانه افساد الاحكام السليمة او وضع العراقيل امام السعي وراء الحقيقة، فهو يرى ان في (عصرنا الديمقراطي) كل فرد من المواطنين له الحق في ابداء رأيه واظهار ماتكنه عواطفه وجوانحه من التصريحات المستقيمة والمباديء السليمة وبثها بين الجمهور بوسائل شتى منها الخطابة او الصحافة "ولا غرو فان العقل البشري لايمكنه التوسع والترقي مالم يحتك بافكار الاخرين بالمناقشة". وهو في الوقت الذي يدعو فيه الى حرية الفكر ويعاضد المناقشة الحرة فانه يعبر عن امتعاضه مــن ظاهرة ابداء الرأي، دون ترو، ومناقشة المسائل الحيوية المتعلقة "بالدولة "في الاماكن العامة وبين عموم الناس ويعبر عن ذلك بقوله " ليست حرية الفكر سوى واسطة لإيجاد الحقيقة وفي هذا المعنى فقط هي عظيمة ومحبوبة لدى اولي الالباب، ولكن بعضاً من المواطنين الاعزاء يطلقون العنان لأفكارهم في الاندية العمومية والقهاوي.. ومناقشة المسائل الادارية.. امام من ليسوا متساويين في التهذيب العلمي والاستعداد الفطري او الفني لايجدي نفعاً بل يضر الوطن لانه يزيد الوضعية ظلاماً وتعكر او يقلق الافكار السليمة...

آمن عبو اليونان بان الامة العربية صاحبة "مدنية عربية" وقد استند الى حوادث التاريخ العربي في تأطير افكاره في هذا الصدد ونبه الى عدم الاكتفاء، بالتغني بأمجاد الماضي وما حققه الاسلاف، بل تحتم الضرورة اقتفاء اثرهم "قد اعتدنا نحن معشر العراقيين التغني بمجد اسلافنا والتباهي بمآثرهم الغراء دون النسج على منوالهم وهذا كله لايجدي بنا نفعاً لأننا نشابه الضارب على الطنبور نعطي صوتاً رناناً فاذا اقترب منا السامعون الفونا فارغين" ويسترسل يونان في تبيان فضل العرب المسلمين على الامم الاخرى بقوله "يذكر التاريخ بان كانوا.. فاتحين امتدت سيطرتهم شرقاً وغرباً.. لم تكن الامة العربية امة فتوح فقط بل كانت امة علم وتمدن وتهذيب يوم كانت اوربا تائهة في حنادس الجهل المظلم.. وسع العرب العلوم واسسوا دور الفنون وعلم الكيمياء واعتنوا بالرياضيات كالهندسة والطب والهيئة وعلم الجبر والجغرافية.. ورفعوا الزراعة وفتحوا الجداول وقسموا المياه.. كانت المدنية العربية تحترم الاديان المنزلة معتبرة كل المواطنين اخواناً بينهم تنهيهم عن الظلم والتعسف.. فجاءت هذه العواطف السامية.. من اقوى الروابط لإعلاء كلمة الوطن ولتعزيز المبادىء القومية".

ونظراً لما حققه الشعب العراقي من انجاز عن طريق نضاله المرير ضد السلطة البريطانية المحتلة، ومن اجل بناء الدولة العراقية والحصول على الاستقلال، فقد انبرى المثقفون يناقشوا مفاهيم جديدة تتعلق بمفهوم "الدولة" و "الحكومة" و "السلطة" و "الحياة  البرلمانية" و "الدستور" وغيرها.

وتأسيساً على ذلك فقد ناقش الكاتب مفهوم "الدولة" وماتعنيه وبأي الصيغ تكون فاردف يعرفها: "الدولة او الحكومة هي الجمعية السياسية والادارية الثابتة الاركان والمزودة بسلطة كاملة حرة مستقلة ابتغاء الخير العمومي وإستتباب الامن والعدالة بين الاهلين مع مراعاة نظاماتهم الداخلية والمحافظة على حقوقهم الخارجية. فالدولة تتركب من مجموع عائلات متعددة وطوائف مختلفة عائشة في ارض واحدة تحت ظل سلطان واحد خاضعة لنفس القوانين "وقد قسم يونان الدول الى ثلاثة اقسام بحسب السلطة" الاولى "الدولة الملوكية" اذا كانت السلطة قائمة في شخص واحد، والثانية "الدولة الارستقراطية" اذ تكون السلطة منوطة بأشرف السكان نسباً واعظمهم علماً وقدراً واختياراً والثالثة "الدولة الديمقراطية" اذا كان يشترك فيها افراد الشعب وهم مزودون بحقوق سياسية ومدنية متساوية، ومدعوون لسن قوانين بلادهم اما مباشرة او بواسطة النواب. ويرى يونان ان هذا النوع الاخير من الحكومة او الدول قد عم العالم لان مباديء الديمقراطية قد سرت في عروق المجتمع البشري برمته. ويختتم يونان فكرته بابداء رأيه فيما يراه بـ "الدولة المثلى" فيقول: "اما الدولة المثلى فهي التي تكون موافقة نظرياً وعملياً لاحتياجات الشعب ولأخلاقه واماله واعلاء شانه.

وفي اطار اهتمامه بتوضيح مهام بعض اجهزة الدولة الادارية ووظائفها تجاه المواطنين، فقد تناول موضوع المجلس البلدي وواجباته، فأورد تعريفه بالقول: "المجلس البلدي سلطة معنوية ومادية تحت ظلالها تنشا العائلات مؤملة السعادة ورفاه العيش" ويمضي يونان في ذكر تفاصيل مهام "المجلس البلدي" التي من ابرزها: انشاء المباني، وتوسيع الشوارع والقيام بإصلاحها وانشاء الارصفة والمجاري والمحافظة على نظافة البلدة، وتسجيل السكان، ووضع التعريفات، وتفتيش المكاييل والموازيين وتحديد اقيام الخبز واللحم ووزنه والمحافظة على الآداب العمومية وجباية الرسوم، وتنوير البلدة ومنع احتكار البضائع.

وتناول ايضاً اهمية التصويت في "المجلس البلدي" ولمن يحق التصويت حيث اوضح ان كل فرد من سكان البلدة قد اكمل الخامسة والعشرين من العمر يحق له التصويت. وان يكون مالكاً اموالاً غير منقولة يدفع عنها سنوياً "ضريبة الديركولا" ]اقل من 50 قرشاً = 7 روبية وآنة[  وان يكون عراقي الجنسية وغير محكوم بجناية ما اما فيما يتعلق بالاشخاص الذين يحق لهم الترشيح فقد بين يونان ان المرشحين لعضوية المجلس البلدي يجب ان يكونوا من سكان المدينة وان يدفعوا للحكومة مالا يقل عن 100 قرش =14 روبية و4 آنات[ في السنة عن املاكهم الغير المنقولة وان يكون عراقي الجنسية وان تجاوز الثلاثين من العمر ويحسن التكلم والكتابة وان يكون مالكاً حواسـه وغير محكوم بجناية وان لا يكون مستخدمـاً عند حكومة اجنبية.

وفي معرض تناوله للمواضيع الاقتصادية ذات الصلة المباشرة في تنمية ثروات الدولة وتقوية دعائمها، فقد عد الصناعة والتجارة والزراعة هي ينابيع الثروة وعليها المعول  للسير في سبيل الرقي الاقتصادي، وبين ماتمتاز به الاراضي العراقية من ثروات طبيعية هائلة وانتقد ظاهرة اللامبالاة بهذه الثروات، وعبر عن ذلك بالقول "لاتوجد تربة تضاهي تربة اراضينا التي تنقصها الايادي الشغولة والالات المكملة لشقها وبذرها. وبكل اسف نشاهد  سهولنا وودياننا وتلالنا قاتمة جرباء لم يمسها لسان محراث منذ مئات لابل الاف السنين.. تسير بينها مياه الرافدين العذبة دون فائدة البتة، وهكذا بعلمنا وادراكنا نضحي بكنوزنا وثرواتنا وتدهورها في لجيم اليم". ويفيض يونان في تبيان اهمية الثروة وانعكاساتها على حياة الامة قائلاً: "ان الثروة هي اساس استقلال الوطن كلما ازدادت الامة ثروة كانت كلمتها معززة نافذة لدى الجميع. وبما ان الزراعة هي من امهات ينابيع الثروة لذلك بذلت الدول قصارى الهمة في هذا الفن الحيوي الذي على اساسه الوطيد يبنى عمران الشعوب وعليه تشيد صروح الصناعة والتجارة"...

ونبه الى اهمية استثمار احد منابع الثروة الوطنية وهو (النفط) وقد اشار الى  ان الثروة النفطية في العراق تقدر بنحو خمس حقول العالم، وان في اعماق هذه الابار ثروة طائلة فاذا اتيحت عمليات استخراجها طبقاً للطرق الحديثة (حينذاك) فانه بالإمكان استخراج (25) الف برميل يومياً من حقول منطقة "القيارة" فقط، وقد عول يونان الكثير من الآمال على استخراج النفط واستثماره باعتباره اس الاقتصاد وعليه يتوقف نجاح المعامل وانماء الموارد والثروة.

نستنتج من وراء استعراضنا لافكار الكاتب يونان عبو اليونان. انه كان يمتلك ثقافة سياسية عريضة وقد عالج في مقالاته جملة من المواضيع المهمة التي كان العراق بحاجة اليها كي يؤسس دولته الحديثة. ان المفاهيم التي طرحها يونان هي حديثة ترمي النهج العلماني وعلى غرار دول اوربا التي اتخذت من "الليبرالية" ايديولوجية لها. ويبدو لنا بان كاتبنا كان متأثراً بافكار جون لوك (John Lock) في التفكير السياسي.

كما تعرض يونان الى مواضيع حساسة في الاقتصاد العراقي وفروعه، ويبدو انه توقف عن اهتماماته الفكرية تلك منذ العشرينات. وحاول الانخراط في دراسة الحقوق ثم ترك ذلك ليدرس الطب.

 

تعليقات