الشيخ رشيد الخطيب : ودعواته للاهتمام بالعلم والتعليم منذ أواخر العهد العثماني

 

الشيخ رشيد الخطيب: ودعواته للاهتمام بالعلم والتعليم منذ أواخر العهدالعثماني

            ا.د.ذنون الطائي







 

ماانفك الشيخ رشيد افندي الخطيب يدعوا الشباب الى اهمية الاهتمام بالعلم والتعلم وإغتنام كل فرصة لتحقيق النهوض بالامة وتثقيف الذات في اطار دعواته بالنهوض والاصلاح ،فمن هو شيخنا الجليل وما هي مضامين دعواته؟

هو رشيد بن صالح بن الحاج طه الخطيب الطائي، ولد في الموصل سنة 1886م لاسرة دينية، فوالدته ابنة المتصوف الشيخ محمد النوري ووالده الشيخ صالح الخطيب الذي تتلمذ عليه عدد كبير من علماء الموصل ومنهم الشيخ محمد الرضواني.

بدأ رشيد الخطيب دراسته على استاذه الشيخ الرضواني سنة 1897 م وتلقى عليه دروساً في علم النحو والصرف والبلاغة. واخذ يتدرج في الدراسة بعد علوم العربية حتى انتقل الى العلوم النقلية وبعد اكماله هذه الدراسة منح الاجازة العلمية من قبل استاذه الرضواني هو وشقيقه سعد الدين الخطيب وذلك سنة 1912م في حفل دعي اليه علماء الموصل وكان قاريء الحفل الملا عثمان الموصلي.

عرف عن الشيخ رشيد الخطيب انه قارئاً نهماً قرأ كتابات جمال الافغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. واستفاد من افكارهم الاصلاحية وقد تاثر كثيراً بالشيخ محمد عبده حتى انه يعد نفسه تلميذاً له وكان يدعوه كثيراً بالشيخ محمد عبده او بالامام".

 

 

عين رشيد الخطيب في اواخر العهد العثماني مدرساً في المدرسة الخضرية لمادتي الدين واللغة العربية، آمن بان طريق الازدهار والتقدم الحضاري لايتم الا عن طريق الاهتمام بالعلم والتعليم فهو يقول: "كنا نوكد لهم - للتلاميذ- بان طريق التقدم والازدهار الحضاري لايتم الا عن طريق التعليم وان اردنا اللحاق بركب الحضارة السائرة الى امام فعلينا ببناء حياة تعتمد العلم اسلوباً لها في تقدمها وتحرس هذا العلم بالمحافظة على تراثها الاصيل".

لذلك اولى عناية فائقة بتعليم الشباب وحثهم على تحصيل العلم فهو يخاطبهم موضحا اهمية العلم في حياة الامم فينادي "انتم شباب اليوم رجال الغد خلقتم لتعلموا وتعملوا.. لا حياة لامة الا بالعلم ولا مزية لقوم الا بحسن الاعمال، فقيمة كل امرء مما يحسن وليس للانسان الا ما سعى وليس اخو علم كمن هو جاهل بالعلم.. يتميز الانسان عن الحيوان بالعلم، يفتخر عن بني نوعه واشقى الناس في هذه الدنيا.. الامم الجاهلة ليس لها شيء من المزايا بل هي بمعزل عن الحياة وبعد عن الانسانية..


لم يكن الشيخ الخطيب  منغلقاً او متعصباً، ويظهر ذلك من خلال تحليله لمجريات الامور، سواء منها الدينية والاجتماعية او السياسية وغيرها، جرىء في طرح ارائه، يدعو الى الاصلاح والاستفادة من المدنية الغربية بما لايتعارض والعقيدة الاسلامية، فقد بين في كتاباته فضل العرب على اوربا في العلوم والمعارف والتأليف، وتألم لما آلت اليه اوضاع العرب المسلمين بعد عدة قرون، فنراه يتوجه الى الامة مخاطباً اياها. "مر علينا زمان ونحن في سبات نتقلب في مهاوي الجهالات والاحلام لاندري أي ربوة تقلنا واي وادي يحطنا" ثم يلفت الانظار الى العلاج المناسب الذي يراه أس كل نجاح وارتقاء وهو "العلم" "الراحة بالعلم والمكانة بالعلم والشجاعة بالعلم والرياسة بالعلم والعزة بالعلم والحياة بالعلم والسؤدد بالعلم.. هل رايتم امة سادت بالجهل. هل رايتم امة نالت مقصدها بالجهل..


واشار الخطيب ان الامة لكي تنهض بواقعها وتسعى لاستعادة امجادها ومكانتها لابد ان تحظى بمستلزمات النهوض عن طريق تعاضد رجالها وتفانيهم في خدمتها، فهو يرى ان لاغنى لامة عن طبيب يعالج ابدانها ويشخص عللها. وفقيه يطيب ارواحها ويهذب نفوسها. وعالم نحرير ينور افكارها ويكشف استارها لتنتظم في سلك البشر، وفيلسوف يكشف ماهو كمين في الطبيعة ويستخرج لها القوات المودعة. وصائغ ماهر يجسم تلك الطبيعة المكتشفة وداهية يافعة ينظر في مستقبل الامور فيتكهن لها ما يخدعها ويكشف عنها ما يهددها وشجاع اهيس، تشد به ازرها ويقوي بنيانها، وكاتب بارع، يحفظ آثارها ويقد في دفتر احوالها واخلاقها. وخطيب مصقع يوقظها من رقادها ويصلح ويحذر ويحرضها وينفث في روحها، وفصيح يكون لها فخراً بين الامم وذخراً عند المعارضات والمناظرات. ويؤكد الخطيب على ان ذلك كله لايتم الا عن طريق العلم والعمل والجد.


وللخطيب اراؤه الخاصة في تقيييمه للرجال ومهامهم في المجتمع، وقد قسمهم الى قسمين الاول: للتدريب والاخر: للاصلاح "وبهم يكون ملاك السعادة للامة ويعلو شأنها وترتفع مكانتها ويطول باعها ويبعد صيتها ويمتد ظلها ويحفظ كيانها ويزداد ذلك بكثرتهم وموقعهم وينقص بقلتهم. ولا يتم ذلك كل التمام الا اذا كانوا سلسلة متصلة يقتفي الابناء منهـم اثر الابـاء".


كان الرجل متضلعاً في العلوم الدينية، فقد درس الفقه والشريعة، ولم يؤمن بالتعصب لمذهب دون اخر. فغدا مرشدا للمقلدين الذين يحافظون على التقليدي القديم، وأحد المجددين الذين يؤثرون الرجوع الى رأي السلف الصالح، بحيث نجده لاتشكل عليه اية مسالة من المسائل الدينية على تنوع ابواب الفقه والعقائد والاجتماع الا اوجد لها دليلاً قائماً من هدى القرآن الكريم والسنة النبوية.


كما كان له اراؤه الخاصة بشأن انظمة الحكم والسياسة والادوار التي مرت على العراق ونظراً لتطلعه نحو الاصلاح والاخذ بأسباب المدنية الحديثة وقف ضد الاحتلال البريطاني للعراق وانطلاقاً من رفضه هذا فقد ساهم بثورة العشرين عن طريق تعبئة الاهالي لمساندة الثورة وذلك من خلال الخطب التي القاها في حشود المصلين في الجوامع او عن طريق استثماره للمواقف الاحتجاجية الشعبية. ففي احدى المظاهرات التي حدثت في الموصل ضد الاحتلال البريطاني. نهض الخطيب بالقاء خطبة ارتجالية امام حشد كبير من الجماهير في الجامع النوري. دامت حوالي ثلاث ساعات وجه فيها الانتقادات اللاذعة للسلطات الاحتلالية ودعا الى مقاومة الاستعمار والى مقارعة المحتلين بنفس السلاح الذي يحاربون به والذي لايمكن امتلاكه الا عن طريق تهيئة اسباب النصر بوساطة الجد والسعي وامتلاك ناصية العلم الذي فيه الاعداء متفوقون.


اذ يرى الخطيب ان العقل العربي لايقل ابداعاً عن مثيله الاوربي الذي غدت له السيادة بما "حازه من العلوم والمعارف والاختراعات والقوانين الطبيعية والاعمال الميكانيكية واستخدام الكهرباء والبخار وجر الاثقال وقطع المسافات البعيدة في سويعات قليلة.. حتى استخدموا البخار في جميع آلاتهم الزراعية والصناعية. لتسهيل العمل.. وجربوا القواعد والطبائع التي اخترعها واكتشفها المتقدمون حتى علموا الحق من الباطل والناجح من العاطل كي لا يشتغلوا بالعبث.." وبهذه النظرة يكشف الخطيب مدى البون الشاسع الذي يحول بين العرب وبين اوربا. وهو يدعو الى الاخذ باسباب المدنية والاستفادة من خبرات الامم الاخرى فهو يدعو الى التجديد والاصلاح وهو موقن بان "في محيط هذا العالم العربي من الذكاء المفرط وقوة الفكر والعقول السليمة المدركة مالا يدركه الوصف ولا يحيط به اللسان" وهو لا يرى مندوحة من الاستفادة من تجارب وعلوم الامم الاخرى، فيذكر ماكانت عليه اوربا وماغدت الان "فيا ابناء الشرق اما ان لكم ان تنهضوا، اما آن لكم ان تقتفوا اثر الغربيين في علومهم النافعة. بعد ان كانوا يقتفون اثرنا نحن السابقون وكانوا لاثارنا يقتفون".


وقد علق الخطيب امالاً كبيرة على فضل المدارس في الموصل. لما لها من فضائل على علماء الموصل وادبائها. وهو بذلك يقول "ان لمدارس الموصل فضلاً عظيماً وشاناً يذكر نبغ فيها اعلام مثقفون بالعلوم على اختلافها.. وادباء عظام قديماً وحديثاً" ويتأسف الخطيب لما آلت اليه المدارس وبخاصة في العهد العثماني "لم تزل تلك المدارس مندرجة في الانحطاط كادت تندرس فلما اتت عليها العشر سنوات الاخيرة زمن الاتحاديين وبالخاصة زمن الحرب الطاحنة قضت نحبها واصبحت خاوية.. وسوف يأتي علينا زمان وما فينا من يعرف من تلك العلوم والفنون شيئاً قليلاً ولا كثيرا"ً.


وحّمل الخطيب الاباء مسؤولية سوء الاخلاق وانحطاطها لعدم رعايتهم ابنائهم منذ الصغر. فتوجه الى قومه وآهابهم بضرورة رعاية الاطفال وهم صغار لانهم امانة في الاعناق "ياقوم انظروا لهؤلاء الاطفال نظرة ناقد بصير ومجرب عليم خبير فانهم سوف يمدحوننا او يذمون وسوف يذكروننا او يعرضون فاتقوا بنال افئدتهم وصداد السنتهم وصونوا منهم انفسكم واجعلوها معروضة لمدحهم وثنائهم".


ذكرنا بان الخطيب اهتم بالاطلاع على سائر العلوم وانه قارئاً مستديماً، وكان من جملة مايطلع عليه، آراء بعض المستشرقين ويميل الى من يرى فيه حب الدين الاسلامي وحب الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، اذ كان يمقت التعصب الديني. ويعد ذلك اساس انهيار المجتمعات، لذلك كان مجلسه يضم القساوسة ورجال الدين من المسيحيين ودأب على بث الوعي الديني الصحيح الاخر وآثر ان يكون الانسان في كل معاملاته مؤمناً تقياً خالصاً ومتمسكاً بكلام الله.


لقد اعتبر الخطيب ان الاسلام هو اكبر حدث غير مجرى العالم الانساني، وان الرسول محمد( صلى الله عليه وسلم) اعظم رجال العالم والذي غير ما بين الخافقين، والذي اتى الى العرب وهم في حضيض الجهالة والانحطاط فأخذ بيدهم واوصلهم الى أعلى المراتب، ويعرض الخطيب أحوال العرب المسلمين وانجازات الرسول العظيم وما تعرضت له الامة الاسلامية من خطب فيحلل الاسباب وينبه الى طريق العلاج بقوله: "ولم تزل الامة العربية على ذلك حتى تم لها الامر، اكمل تمام ثم شغلها الترف والاعراض عن التمسك بهاتيك القوانين الاخلاقية والاجتماعية والسياسية.. ولا زالت تتمادى في الاعراض عنها وهجرها في زوايا الخمول.. وإنا لنؤمل من هذه الامة النجيبة ان ترجع الى ماكانت عليه وان تتمسك بأخلاقها وعاداتها وقوانينها التي شرعها الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) لعلها تكون من الناجحين اعمالاً وتعيد القديم وعزها الاول ".


كما دعا الخطيب الى ضرورة دراسة القرآن الكريم وتدبر معانيه،فهو يؤكد ان دراسته "تلهم اسمى المعاني وتعلو بالتفكير، وهي افضل وسيلة لتنمية الاساليب الكتابية والخطابة، تطبع القلم واللسان على الفصاحة والبلاغة وروعة اللغة، وقد احسن السلف الاستفادة من القرآن فصاروا فحول البيان ومنهل الحكم، لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء..".

وربط الخطيب بين دراسة القرآن الكريم وتاثيره على الخطابة عند العرب وهو يرى، ان الخطابة هي احد الفنون الجميلة التي تتاثر بها النفس وهي قسمان، محسوسة كالتمثيل والخطابة التي هي اهم تلك الانواع واشد وقعاً في النفوس واعظم نفعاً للمجتمع الانساني، لذلك "لاترى امة راقية الا وقد اهتمت بالخطابة في عنفوان رقيها.. وقد اجاد فيها اليونان والرومان والعرب يوم كان للشرق العظمة والسيادة.. حتى ان الخطيب المصقع لياخذ بجـامع القلوب اعاظـم الناس."

يعد الخطيب من اكثر العلماء اقبالاً على البحث، فقد عني بعلم الفلك في مطلع شبابه، بملازمة المرحوم امجد العمري (ت:1953) فكان الخطيب خبيراً بمواقع النجوم. وفي عام 1915م اصدر الشيخ رشيد الخطيب بمشاركة شقيقه الشيخ سعد الدين جدولاً دورياً للاوقات الشرعية الخمسة للصلاة في الموصل، واحتوى الجدول على تنبيهات حول كيفية استخدامه، كما سجلا اساس حساب هذا الجدول ووصفا كيفية استخراج سمت القبلة في الموصل. وقد خصص ريعه الى "جمعية المدافعة الاسلامية".


كما كان الخطيب محباً لدينه وعروبته، ومعتزاً بتاريخ بلدته،وما حفلت به من امجاد وانتصارات ودحر للغزاة، فلا غروة ان نجده يعيد الى الاذهان ماسطره الاهالي الموصليون من ملاحم بطولية في سبيل الدفاع عن ثرى الموصل امام هجمة نادر شاه وحصاره للمدينة الذي لم يكتب له النجاح.

ونجد الشيخ الخطيب وانطلاقاً من احساسه بالواجبات الملقاة على كاهله في التوجيه والارشاد والدعوة نحو الاصلاح، قد عالج بعض المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، اذ دعا الى ضرورة تبني السلطة لمسالة اعمار الاراضي الزراعي عن طريق جلب المكائن الاروائية وبثها في سائر الاراضي، وبخاصة تلك الاراضي البعيدة عن نهر دجلة" كي تروى هذه الاراضي المخصبة التي لامثيل لها في العالم بقوة انباتها وحسن ترابها محفوفة بانواع "المزارع المسقية. وفي عنق الحسناء يستحسن العقد"..

لقد عاش رشيد الخطيب حياة حافلة بالنشاط والعمل الدؤوب، وقد تمكن من استغلال وقته في القراءة والتأليف فتمكن من انجاز عدد كبير من المصنفات في مختلف العلوم والفنون، فكتب في التفسير والعقائد والحديث وسيرة بعض الصحابة وفي اصول الفقه الاسلامي، والادب وعلم البلاغة وفي اللغة العربية وغيرها من العلوم وبلغ عدد مؤلفاته نحو (42) مؤلفاً معظمها مايزال مخطوطاً، اما ماطبع منها فكان(6) مؤلفات هي:

1-   تفسير القرآن الكريم المسمى: اولى ماقيل في ايات التنزيل - يقع في تسع اجزاء (عدة طبعات).

2-   المدارك الدقيقة في محتويات سورة الحجرات (ط-1940).

3-   اسئلة الامتحان موضوعة بحسب المنهج الذي قرره مجلس الاوقاف الاعلى للائمة والخطباء (ط 1968).

4-   رسالة في علم العقائد (ط -1965).

5-   اصول الفقه الاسلامي (ط- 1980).

6-   مواضيع مهمة (ط- 1979)

فضلاً عن مساهماته في كتابة المقالات في الصحف الصادرة في الموصل، والتي عكست طبيعة فكرة الاصلاحي، وقد توفي سنة 1979عن عمر يناهز 97عاماً.وقد فقدت الموصل أحد أعمدة العلم فيها.

 

 

 




تعليقات